المدير لا الرئيس – سمير عطا الله – الشرق الاوسط

كلما كتبت عن منصب «مدير التحرير» وكونه أهم موقع في الصحيفة أو المجلة، كان في ذهني دائماً الأستاذ فرنسوا عقل، الذي ظل مدير تحرير «النهار» منذ 1963 إلى 2007. وقد قبل منصب رئاسة التحرير، فقط بعدما أصيبت «النهار» باغتيال جبران تويني، وعند رغبة الأستاذ غسان تويني، قبل «المدير» المنصب، حيث لا يزال، في أي حال، يمارس ذلك الفن الصحافي الخفي، المعروف بإدارة التحرير. من هذا الموقع، إذا كان صاحبه فرنسوا عقل، يمكن أن تكون صارية الجريدة ومحركها ومصفاتها وشراعها الأبيض النظيف.

وإلى ذلك، كان فرنسوا عقل، القادم من عائلة صحافية عريقة، هو الضمانة الأخلاقية للجريدة، يفتح الحريات مشرعة ويضبط حركة الدكاكين. يترك للكتاب أسلوبهم الخاص ويضبط لغتهم ولغة المخبرين والمحررين. وفي حضوره يشعر الجميع أن حارس المقاييس والمعايير والمستويات، في حالة تأهب. لا الصورة تمر دون ضبط ولا الكلمة تمر دون أن تلحظ. فمديرية التحرير في الصحافة، هي وحدة الجريدة وضابطة مفاصلها والآلة التي تمنع تكرار كلمة في عنوانين، أو انفلاتاً في عنوان أو انفلاشاً في رأي أو هبوطاً في موقف.




مضت سنوات كنت فيها على «نقار» شخصي مع «المدير». وكنت في أحزاب «النهار» خارج حزبه. لكن لم يحدث مرة، أو نصف مرة، أو شيئاً من مرة، أن خلط فرنسوا عقل بين «خلافنا» وبين مهمته. ولا أذكر أن قلمه الأحمر امتد يوماً إلى كلمة إلا في ضرورات اللغة وأحكامها. وكان إذا اختلطت عليه معلومة في المقال، حمل نفسه وجاء يستوضح. أو يتأكد، وغالباً ما كان على حق. أو دائماً.

في العام 1988 وقعت عقداً لرئاسة تحرير «النهار». لكنني قبل أن أوقع قلت للأستاذ غسان تويني: «كيف لي، أنا، بهذه الصفة الجديدة، أن أتجاوز فرنسوا عقل عند الضرورة»، وأبلغه الأستاذ غسان بالأمر، وكان جوابه: «أنا المدير ولا أريد أن أكون شيئاً آخر. وليملأ كل منا موقعه». لا أعرف ما هي التجارب المشابهة في الصحف العربية، ولا أريد المقارنة. لكنني أعتقد أنها تجربة أشبه ما تكون بتجربة وليم شون الطويلة في «النيويوركر»، حيث مرت المراحل والمتغيرات ومر الكتَّاب والكاتبات وكبار رسامي الكاريكاتور، وظلت «النيويوركر» في صيغة واحدة ودقة واحدة وجهد واحد. وقد حدث مؤخراً أن جماعة سياسية نفت خبراً رئيسياً نشرته «النهار» فضحكت، لأن صحته سوف تثبت في اليوم التالي. ولأنه لا يمكن أن يمر خبر مشكوك به من بين أصابع المدير. عندما تعلن صحف عربية كبرى مثل «الأهرام» تغييرات في أعلى الهرم، كمثل تعيين زميلنا عبد المنعم سعيد رئيساً لمجلس الإدارة، أول ما يخطر في بالي، وماذا عن «مدير التحرير». إن الصحافة العربية مهددة بالتردي بسبب خلوها من «مدير التحرير».