هذا الذي نكبته لأنه يكتبنا – هاني فحص – المستقبل

ماذا يقول غسان تويني؟ ماذا نختار من قوله؟ وفي امثالنا الشعبية، ان كثرة القمح تعمي قلب الدجاج.. قلت هذا الكلام مرة في كمال جنبلاط… وأقوله الان في غسان تويني، مختاراً بعضاً من قمحه دليلاًعلى دعواي فيه..

اذا صح القول بأن الكلمة تكون مقاتلة أو مخاتلة، فان المهارة والعمق والشجاعة هي ضمانة توجيه الجر والكلمة الى كبد الحقيقة، اي الى نحر الباطل. هذه الصفات كان يملكها غسان تويني ولذلك فهو لا يستعيدها الان بحكم ميل الشيخوخة الى المصارحة لأن الخوف يكون قد تراجع بعد طول العمر.. وهذه علامات على ذلك:




"وكانت "الكوكب" قد نشرت وقتها لكانون الأول 1947 ـ يوم وفاة ودفن والده جبران تويني ـ بتوقيت لا ازال احس بمراراته حديثا لانطون سعادة يرد به على انسحابي من الحزب، مع فريق من الرفاق المفكرين" بالاعلان عن ان ردي كان قد سبق انسحابي، ولأسباب غير سياسية ولا فكرية!".. من الذي خسر بالطرد، الحزب السوري القومي الاجتماعي أم غسان تويني؟ لو ان احزابنا العربية كلها لم تضيق ذرعاً بمفكريها وتعالج الفكر بالطرد او المصادرة او التهميش هل كانت وصلت الى هذه الدرجة من التراجع والفشل والفراغ؟ ص 20/
ويتحدث في صفحة 22 من اسرار المهنة عن اغتيال ولدي خليل درويش احد أهم موزعي الصحف والذي لم يعترف هو وأولاد بتقسيم بيروت من بداية الحرب عام 75 وظل يحمّل اولاده صحف بيروت الى المنطقة التي سموها شرقية، يقول غسان: "ذنبه في زمن القتل على الهوية، أنه كان شيعياً ظن انه رغم ذلك في وسعه الاستمرار في توزيع الصحف وبيعها في منطقة المتن" ويضيف: "كل ذلك والنهار هي الاستثناء، وقل الشواذ، تستمر تعاند في مقاومة التقسيم في اشكاله وتصدر صحيفة للتوزيع في كل لبنان". وعندما يتحدث عن رفاقه في النهار وكأنهم اولاده، يصل الوالد الثاكل الى القول: "سامح الله الحرب، يقولون الا.. الله لا يسامح" ص 25

عن النهار والصحافة مع اول رقابة مفروضة يقول: "في كانون الأول 1976، بعيد تأليف حكومة الرئيس سركيس الأولى، توقفت النهار، بسبب انتشار العناصر السورية في المكاتب والمطابع، واستمر الأمر هكذا حتى توجه نائب رئيس الحكومة الأستاذ فؤاد بطرس الى دمشق، وعاد منها بالمرسوم الاشتراعي "رقم واحد" الذي اقام الرقابة على الصحف" ص 28.
وعن هوية النهار النهارية يقول عنها: "مأساة النهار في كونها الصحيفة الوحيدة غير المنتسبة الى اي فريق محارب في لبنان، ليس في آرائها فحسب، بل ايضا في ارضيتها (لا هي شرقية ولا غربية) وخصوصا في تكونيها المهني، فهي عاجزة عن الاستمرار اذا انقسم لبنان" ص 30.

مع الأخطاء الاستراتيجية يعود الى مبادئه الأصلية يقول معلقاً على دعوة الرئيس كميل شمعون عام 1958 الأسطول السادس الأميركي الى لبنان: ".. ولا نخال كميل شمعون يمكن ان يجهل ان الجيوش، حتى تلك التي تأتي محررة تتحول مع الوقت الى جيوش احتلال فكيف بالجيوش التي يدعوها الحكام لغرض لا يؤمن به الشعب؟" ص 430 ومن كلامه القديم الجديد وعن لبنان عام 1958: "ان احداث العالم العربي الأخيرة وأحداث لبنان، فضلا عن تصرفات بعض الزعماء المسلمين، وبعض رجالهم/ قد سهلت للنظرة "الصليبية" مهمتها، وان ما لا بد منه، هو ان واجب المسيحيين تجاه الحفاظ على الكيان اللبناني، كياناً مسلماً مسيحياً، أعظم من واجب المسلمين لأن مصلحتهم به اكبر من مصلحة المسلمين" ص 430
كيف يفهم غسان تويني الدستور؟ يفهمه كمواطن وكمثقف يرى القانون أو الدستور صيغة متواضعاً عليه لمعطيات في الواقع المعيشي، اي انه بنيان حقوقي وليس أساساً، اي انه يكشف بعدما يكتشف ولا يبتدع، لا يخلق، لذلك فهو بحاجة الى فهم وانجاز دائم من خلال تنزيله على الواقع لا تنزيل الواقع عليه، يقول في ص 435: "أو ليس الدستور حياة؟ ومتى كان الدستور حرفا ميتا وعظاما بلا لحم وشرايين، بلا دم؟ الدستور هو الحكم الدستوري والممارسة الديموقراطية والتعامل الحر المسؤول، وشرط استقامته حوار الرئيس والشعب حوار الحاكم مع من يمثل..

مبكراً وعام 1983، هذه السنة الصعبة، وصف غسان اللبنانيين دواء ناجعاً، لم يلبثوا ان عادوا اليه بعدما تراكمت الخسائر، وما زالوا مترددين، يقول عن المصالحة التي دعا اليها: "ليست لقاء بين الزعماء والزعامات، او الأحزاب والفاعليات والميليشيات، ولا هي الدعوة التقليدية الى وحدة صفوف واهية "وراء الحكم" انما هي مصالحة الحكم مع المواطنين، كل المواطنين، في سبيل بناء الدولة الوطنية الجديدة، اما لماذا يتصالح اللبنانيون، بعضهم مع البعض ومع الجولة، فقصة طويلة لعل اولها وآخرها انهم بالفعل لا يتقاتلون، ولم يتقاتلوا، الا حيث كان الحكم غير لبناني، او حيث هو الحكم اليوم لغير لبنان" ص 446 ويضيف بأن الشرط هو دولة منيعة ضد الخارج، في الخارج والداخل، ومنيعة ضد الداخل اذا خرج عليها" ويصرخ بملء فمنا: "لا تحرر ولا تحرير من دون ميثاق وطني". والى احد الرؤساء يقول في 8/2/1990: "ماذا تفعل؟ تلعنهم جميعاً… وتحاول ان تخرج من النار حتى تنقذ لوطنك بقية من ارض وحياة وحتى لا تكفر بالحرية والسيادة من فرط حاجتك الى الخبز والماء.. محك الحكم في الحرب كما في كل سياسة، هو القدرةعلى منع الحريق" 453

في ص 455 يقول عن معشوقته الحرية: "وحده لبنان، قبل حروبه، كان لا يخاف الحرية بل يعشقها، ويجب ان نعلم ان للحرية كذلك تاريخها المقبل، وتاريخها حساب عسير…"
وعن ثقافة الديموقراطية او الديموقراطية الثقافية.. ناظراً بعيداً أو عميقاً وبعيداً عن الاختزالات الأرسطية للمفاهيم الكبيرة والرحبة يقول بعد ان وصف مباراة المرشحين للرئاسة الفرنسية في المجالات الفكرية، كتابة ومعرفة بالكتاب والكتب ونقاشاً في محتوياتها: "او تلك ثقافة فقط؟ لا.. تلك هي الديموقراطية التي لا استقامة لها خارج الاطار الثقافي والخلق الفكري الذي هو منظار المستقبل للذين ينتظرون دائما الى المستقبل" ص 456.
في حديثه عن لقائه لأول مرة برئيس عربي لـ حسني الزعيم، عام 1949 يقول: "عزائي انني لم اكن فريداً بين الذين ظنوا ان العسكر هم الجواب على التحدي (يقصد تحدي النكسة عام 1948) والدواء الشافي للديموقراطية التي كانت قد اهترأت قبل ان تنضج! اي يقصد تلك الجرعات الخفيفة من الديموقراطية الغربية قبل الانقلابات.
ولماذا هذه الشدة في المعارضة، لماذا هذا المرض في الاعتراض والذي هو أشد عافية من العافية؟ يجيب غسان تويني "مشكلة النهار المزمنة مع الأنظمة العربية انها كانت قد صارت معارضة بالسليقة"" ص 463.

عن الرئيس حافظ الأسد يقول كلاماً كبيراً من دون ان يكون تابعاً صغيراً او كبيراً اذا كان في التابعين كبار علماً ان العلة هي في التابع لا المتبوع يقول غسان تويني: "يصعب كثيرا على صحافي ان يكوّن موقفا صحافياً محضاً من شخصية في قوة شخصية الرئيس الأسد وحضوره السياسي" وكان قد ذكر ان الرئيس الأسد كان يكرر معه الحديث والسؤال عن الحزب السوري القومي فيقول غسان معقباً: "كأنني لا ازال في الحزب وقد تركته وتركني.. أو كأن له بالحزب شغفاً منسياً: لم يرد غسان ان يقول بأن الرئيس الأسد كان مهتما بالحزب السوري القومي الذي انتشر اكثر من غيره في الجبل وفي القرداحة خصوصا وكان من قيادته الكبرى في سورية رجال من آل خير بك العائلة الأهم في القرداحة ص 465.
مع عبد الناصر وهل عرفه شخصياًً؟ "نعم، ولكن ليس بالمقدار الذي كنت أتمنى، غصة في قلبي، مع اني احترمه ولا أحبه وقد بدأت بحبه وانتهيت باحترامه مع ما يشبه الغضب". ويذكر انه كان فخوراً به كعربي في باندونغ على معارضته له لأنه كان الأكثر حضوراً.. على معارضتي له كلبناني" ويذكر انه كان حريصاً على قراءة النهار حتى عندما اصبحت ضده.. ويذكر انه في باندونغ سأل الصحافيين المرافقين للرئيس ناصر: مصطفى وعلي أمين وهيكل كيف يغطون الحدث فقال احدهم: "احنا يا أخي جابناه معا، كده للزينة كاللعبة، التغطية؟ أهي ماشية وحديها!"

وعن شهامته العربية في التعامل مع المفاصل وعبد الناصر يقول: "وقد بكينا جميعاً في قاعة التحرير في النهار ونحن نشاهده يستقيل على شاشة التلفزيون… ولا شماته" ويعقب بسؤال مطلوب من كل منا الجواب عليه: "هل نحن بعد الحكم الأسطوري افضل ام أسوأ مما كنا، قبل الثورات والانقلابات، ومما كنا يمكن ان نكون عليه لو لم تحدث الانقلابات والثورات؟"
ص 469 ـ 470

مصراً على الدقة والصدقية وكأنه عالم من علماء الحديث، والدراية، او كأنه فقيه محقق يقول معرضاً عمن يروون من الأصوات الكبار وكأنهم كانوا شركاءهم في اتخاذ القرار من دون ان يكون هناك من يرد الرواية.. وهم لا يكتبون تاريخهم الذاتي الا بعد موت من يشاركهم او يشركهم في الرأي، يقول غسان "المؤسف في العالم العربي وفي الصحافة العربية، بنوع اخص ان لا مؤرخين عندنا ولا موضوعية، كل ما نكتبه اما ان يكون مع او كله ضد، ولا نحقق ولا ندقق ولا نوازن بين الأمور، واذا جلينا، فنكتب قصصاً وحكايات معظمها غير قابل للاسناد، ثم اذا كتب واحدنا مذكرات تجده صار حجر الرحى وقطب المرتجى في ما يروي، اي محور الأحداث، فأوقع منها وما لم يقع" ص 471… وفي نفس الصفحة يقول بجرأة "كل ما أعرفه ان أحداً لم يسترجع أرضاً من اسرائيل غير السادات". وكان قد ذكر عن السادات الذي ظل سنة كاملة يتعرض للتشكيك في نيته قتال اسرائيل وقد التقاه في لاهور عام 1974 انه سأله أمام عدد من الرؤساء والزعماء قائلاً: "فين اصحابك يا غسان؟ أهو حاربنا.. هما كانوا عاوزيني أعلن من البلكون، غاظهم الضباب.. هو اللي عاوز يحارب لازم يقول للعدو يستناه؟
عن الملك حسين بن طلال يقول: "كان الاصرح والأكثر علماً بأمور العالم ولبنان بنوع أخص.. ويظل ملك التحفظ والصراحة في آن واحد.. كان أكبر دوراً من انور السادات.. ليس فرعونا". ويذكر قوله في الأمم المتحدة بعد الهزيمة "لقد انهزمنا ولكننا نعدكم بأننا سنتعلم كيف ننتصر؟" ص 473.

سأتوقف هنا، والا اقتبست الكتاب كله… كتاب غسان تويني يقرأ كله ويقتبس كله، لأن كل غسان فيه وكلنا في غسان عندما يكتب لأنه يكتبنا ولذلك نستطيع ان نكتب عنه لا ان نكتبه.