حول مائدة بكفيّا – جان عزيز – الأخبار

سيكون المشهد مهيباً في بكفيا بعد أيام قليلة، وقبل مطلع الأسبوع الطالع. وسيسيل حبر غزير لوصفه، وستُجترح استعارات كثيرة للتعبير عنه. ومنذ اللحظة، قد يكون أكثرها دقّة، وصف المشهدية الخارجة للتوّ من تراجيديا إغريقية.
فحول مائدة الطعام هناك، سيكون الغائبون أكثر من الحاضرين، والحاضرون مشدودين كالسهم، بين مَن غاب وما غاب، ومَن سيأتي وما سيأتي. على طاولة واحدة سيجلس ضيف اسمه سليمان طوني فرنجية. معه زوجته، ونجله طوني. وقبالته مضيفٌ اسمه أمين بيار الجميل، وإلى جانبه نجل نائب هو سامي، وابن شقيق نائب أيضاً هو نديم، وأرملة ابن رحل هو بيار.
لن تتّسع المائدة للصور والأطر الفضية، واللحظات ـــــ الأحداث ـــــ التاريخ. ولن يكون للصمت مكان، ولا لجزيء من ثانية، كي لا يتفلّت من وجدان الحاضرين استذكار، أو استرجاع، أو استحضار، أو استدراك. فالضيف هو نجل عائلة قضت بالنار. نار، قيل إن بعض عائلة المضيف مسؤول عنها، بشكل من الأشكال. والنار نفسها، عادت فأذاقت كأسها لهؤلاء، مرات ومرات، ولو على غير يدٍ وقرارٍ. لن تكون مقاعد شاغرة حول الطاولة. لكن الأطياف لن تعدم وسيلة للحضور. ستكون سكنى في العيون، في رعشة مصافحات الأيدي… طوني، جيهان، فيرا… بشير، مايا… ومع المجموعتين آلاف الأطياف، سيكونون هناك، على أثير «اللماذا» و«الكيف»، وأولوية كل الحقيقة، لكل المصالحة، من أجل كل الخير.
لكن الغائبين عن اللقاء لن يكونوا من صنف الأطياف وحسب، بل من الأطراف أيضاً. لينفتح هنا حساب النصاب السياسي. فخلف آل فرنجية،
خلف آل فرنجية
وآل الجميّل ستحضر طاولة بشير وحقبة دمشق والشيطان

سيكون غائباً حاضراً طرف اسمه ميشال عون. وهو حليف الضيف الحالي، وخصم المضيف الحالي، بعدما كانا طيلة أعوام في الموقعين المعاكسين منه وله. ومن الجهة المقابلة، سيكون خلف آل الجميل، غائباً حاضراً، طرف آخر اسمه سمير جعجع. وهو حليف «متقطّع» للمضيف، وأكثر من خصم قاطع للضيف. ولتكتمل عنكبوتية المشهدية التراجيدية الإغريقية، ستكون خلف الجهتين، تلك الصورة، يوم كان عون وجعجع رفيقين على طاولة بشير، بعدما كان دم إهدن، وقبل أن يكون دم الأشرفية وبكفيا… وإذا ما أراد الخيال الذهاب أبعد في التأريخ والتسجيل وفتح المكنونات لتتطهّر في هواء الحقيقة، فقد لا يغفل عن الصورة أن خلف الضيف سيكون ظلٌّ خفيف لسوريا الأسد. تلك الكلمة التي اتهمها نديم بدم والده. وخلف بعض المضيفين سيكون ظلّ مماثل آخر لحقبة «غريزة البقاء»، و«التعامل ولو مع الشيطان»، وهي الحقبة التي خرج أخيراً كتاب يتهمها بدم إهدن، ولم تكن عائلة الضيف بعيدة عنه.
كل تلك الصور والشخصيات والهامات والمعاناة والحسرات والوجع، ستكون على مائدة بكفيا بعد أيام. ولأنها ستكون كلها هناك، سيكون الرهان كبيراً.
سيقال أولاً، إن اللقاء خطوة محصورة في إطار حرص «البيوتات» السياسية على تعويم ذاتها، وبعضها البعض. وفي إطار النظام المقفل لإقطاعيات الجبل، الذي يتحالف ضمناً، ولو على خلاف سياسي، ليواجه فعلاً كل مَن يأتي من خارجه، ولو كان حليفاً في السياسة. سيقال همساً وسوءاً وأذىً، إن آل الجميّل عينهم على سمير جعجع، وإن آل فرنجية عينهم على ميشال عون… فالتقيا.




وسيقال ثانياً، إن المسألة قد تتخطّى الإطار القبلي العائلي، لتقف عند حدود القبيلة ـــــ الطائفة. المسيحيون في خطر، و«غيرة الدين» بضاعة رائجة لاستدامة الزعامات، وتكريس لخلافات فوق الاختلافات، وضمان استدامة المبايعات من الرعايا والأقنان ومرابعي «الشلش» الذين لا «شلش» حياء أو كرامة لهم ليطقّ.
وسيقال، ثالثاً، إنها مجرد «صيحة»، دُرْجَة، خبطة، هيصة، موجة، سبق… ويخبو بعدها الألق.

أمر واحد يفترض أن يصير وأن يقال: أن تكون مائدة بكفيا ميثاقاً أول لدفن العنف نهائياً، كوسيلة تعاطٍ في الشأن العام. لا بين عائلتين وحسب، ولا داخل «الجماعة الواحدة» فقط، بل دفنه ورفسه بالمطلق بين أي شخصين إنسانيين، وأن يكون هذا الميثاق مكتوباً بمعاناة ما مضى، على قاعدة أن لا صفحة تطوى، إلا إذا قرئت. ولا صفحة تُقرأ، إلا إذا كُتبت.
وأن تكون مائدة بكفيا إقراراً باسم كل مَن حضر ومَن غاب، أننا كلنا أخطأنا وتعلّمنا، غفرنا واستغفرنا، قاتلنا، قَتلنا، قُتلنا وتقاتلنا، كما قال الإرشاد، وأنه من هنا يمكن الانطلاق نحو موائد الحياة…