قتال على القرار في حال اللاقرار – رفيق خوري – الأنوار

ليس اخطر من ان يبقى ثلث اللبنانيين تحت خط الفقر سوى بقاء الوضع اللبناني كله تحت خط (الفقر السياسي). والاخطر هو التسليم بالواقع مع عجز الواقعية عن ادارته، بحيث تبدو الحلول المقترحة استمرارا للمشاكل بوسائل اخرى. فلا غابة الفقر تحجبها شجرة المفاخرة بازدهار القطاع المصرفي وقوته في بلد مدين بخمسين مليار دولار يصدر شبابه الى الخارج ويستورد كل مشاكل المنطقة. ولا البؤس السياسي تغطيه المهرجانات الخطابية والثرثرة السياسية اليومية فوق سطح الازمات الحادة بمقدار ما تكشفه.
واكثر ما يكشف عمق البؤس السياسي التصرف كأن الوضع اللاطبيعي هو وضع طبيعي وسط ثلاث مفارقات كبيرة. الاولى هي الخروج من انتخابات نيابية ربحتها اكثرية رفعت شعار (العبور الى الدولة) والدخول في طريق مسدود حتى على العبور الى الحكومة.

والثانية هي ارتباط تأليف الحكومة بالتقدم او التعثر في عملية (مقاصة) اقليمية ودولية تدور في غرف متعددة حول قضايا اكبر من لبنان، والتسليم بهذا الامر وانتظار اخبار العملية واسفار او انشغالات اطرافها. والثالثة ان محور القتال بين القوى المحلية هو الامساك بالقرار في مجلس الوزراء، في حين توحي اشياء كثيرة ان المطلوب للبنان وفيه خلال هذه المرحلة هو البقاء في حال اللاقرار.
لماذا? لئلا يخربط حسابات اللاعبين الكبار والقرارات التي عليهم اتخاذها في مرحلة اقليمية ودولية مفتوحة على الحوار كما على الصدام ومحكومة بحال من السيولة قبل ان تأخذ اشكالها الثابتة. والسؤال البسيط الذي جوابه منه وفيه هو من المتضرر من بقاء لبنان بلا حكومة، ولا قدرة على القرار في الامور الاساسية وحتى في الامور العادية، ولا بالطبع على مواجهة الاخطار?




البلد والناس طبعا. اما على صعيد الاشخاص فإن لائحة المتضررين قصيرة: رئيس الجمهورية الذي يحتاج الى مجلس وزراء ليلعب دوره الكامل. الرئيس المكلف الذي يتعرض موقعه للاستنزاف السياسي بعد مرور اربعة اسابيع على تكليف تأليف الحكومة، والحبل على الجرار. وبقية الزعامات، مع استثناءات محددة، تبدو مرتاحة كأنها تلعب ادوارها على مسرح وكأن الناس مجرد متفرجين يصفق كل فريق منهم لاداء زعيمه، وان كان يعيش بلا ماء ولا كهرباء ويبحث عبثا عن فرصة عمل.

ويحدثونك عن السير في الطريق الصحيح وينفون وجود ازمة تأليف، وهم اسرى سيناريو او خيار وحيد متعثر. والكل يعرف ان الحد الادنى لمفاعيل الازمة هو اهتراء البلد على مهل، والحد الاقصى هو ان التخوف على مصير البلد ليس مجرد خيال.