في انتظار استراتيجية السنيورة لاستعادة الأرض – ادمون صعب – النهار

"لقد شهد لبنان في تاريخه الحديث عددا من الحروب الداخلية التي لم نستطع، ويا للاسف، ان نوظّف ذاكرتنا للاعتبار بنتائجها السلبية سواء عام 1843 او عام 1860 او عام 1958 او ابتداء من عام 1975. فاذا كنا قد فشلنا في المحافظة على ذاكرتنا او في الافادة من مخزونها، فلا شيء يحول اليوم بيننا وبين اعادة بناء هذه الذاكرة، فلا تستقوي طائفة على طائفة، ولا تتجنى فئة على فئة، لئلا نكون بالاستقواء حينا، وبالتجني حينا آخر، قد مهدنا الطريق الى اشعال الحرب نفسها التي فات ذاكرتنا شرف الاعتبار بسلبياتها واخطارها الجسيمة".
غسان سلامة
(في ندوة "ذاكرة الغد" – بيروت 30 آذار 2001)

كان اللبنانيون يظنون حتى أواخر الأسبوع الماضي ان الرئيس المكلّف تأليف الحكومة النائب سعد الحريري يصرّف "الوقت الضائع" باعتبار أن المشاورات التي اجراها مع القيادات السياسية وبعض أطراف المجتمع المدني لم تفض الى اي صيغ.
وثمة مَن فهم من هدوء الرئيس المكلّف، وطريقته في الاصغاء الى محدثيه دون ان يطرح عليهم مشاريع وزارية، ان مدى التمهيد للتأليف واسع وقد يستغرق فصل الصيف بكامله بحيث يترَك اللبنانيون والمغتربون والسياح الذين قدّر عددهم بمليون هذا الصيف، يتمتعون بفترة هدوء واستقرار ساعدت في اشاعتها الأجواء الوفاقية التي أعقبت الانتخابات.
حتى التسريبات التي تحدثت عن عقد في التأليف بسبب الثلث المعطّل، بعد إخراج ملف سلاح "حزب الله" من التداول، لم تجد آذاناً صاغية وتبخّرت بسرعة.
ولولا شبكات الإرهاب التي اكتشفها الجيش اخيراً وتبين، انها كانت تستهدفه والقوة الدولية في الجنوب، وتضع لبنان امام تحد جديد لا يفيد منه سوى العدو الاسرائيلي، لما كان الرئيس ميشال سليمان تحدث عن ضرورة تأليف الحكومة "في وقت ليس ببعيد".




وهذا الوقت الذي تمنى رئيس الجمهورية الا يكون بعيداً، قد وضع حداً للوقت الضائع موحياً ان الاخطار التي لاحت في الافق الجنوبي واقعية، بعد الخروق الاسرائيلية سواء في الجو او في الامر الواقع الذي اوجدته قوات الاحتلال الاسرائيلية في منطقة كفرشوبا، ثم انفجار مستودع الاسلحة في خربة سلم والصدام الذي حصل هناك مع احدى وحدات القوة الدولية الامر الذي دفع اسرائيل الى أن تطلب من الأمم المتحدة تعديل قواعد الاشتباك في جنوب الليطاني بحيث تتحوّل القوة الدولية قوة ردع ومنطقة الجنوب بقعة عمليات عسكرية تتواجه فيها هذه القوة، ومن ورائها الدول المكوّنة لها، مع اللبنانيين وربما ايضاً مع الجيش، فتتحقق اغراض اسرائيل من قصر القرار 1701 على وقف العمليات العسكرية.
تضاف الى الأخطار الإسرائيلية المباشرة، شبكات التجسس الإسرائيلية التي كشفت في الأشهر الاخيرة وأوحت إمكان ضلوع إسرائيل في التفجيرات وبعض عمليات الاغتيال التي شهدها لبنان بعد صدور القرار 1559. مذكّرين بأن احدى شبكات التجسس كانت مكلفة مراقبة رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فيما تولت شبكات أخرى مراقبة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وأركان الحزب وقياداته.
ولاحظ مراقبون الموقف اللبناني الموحّد للأكثرية والمعارضة حيال الهجمة الاسرائيلية على القرار 1701 ومطالبة تل ابيب بتعديله وصولاً الى تغيير قواعد الاشتباك في الجنوب. إذ أكد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس حكومة تصريف الأعمال والرئيس المكلف وأركان المعارضة، وفي مقدمهم "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، التمسك بالقرار 1701 وتنفيذه، "بكل مندرجاته".

ووجد المراقبون في هذا الموقف ثمرة مهمة لسياسة الخطوة خطوة التي ينهجها الرئيس المكلف على طريق تشكيل الحكومة. وقد اظهر هذا الموقف ان اللبنانيين لا يحتاجون الى ثلث ضامن او كافل، متى كانوا موحّدين في المواقف التي تعني مصالح البلاد العليا.
وهذا الموقف اللبناني الموحد إزاء الخطر الاسرائيلي المستجد، لكفيل بحل جميع العقد التي وضعت في السابق في طريق المشاركة في القرار السياسي، في مقدمها المقاومة وسلاحها "الخارج على الشرعية والقانون" بحسب غلاة الاكثرية.
وربما كانت عبارة الرئيس سليمان ان تأليف الحكومة يجب ان يتم "في وقت ليس ببعيد"، إشارة واضحة الى أن التقارب الذي نشده الرئيس المكلف، من خلال مشاوراته بين القوى السياسية الرئيسية يتحقق تدريجاً.

وعكس هذا الجو رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في موقفه الاسبوعي عندما أوضح أن دعوته الى "تجمع إسلامي قوي" لا يعني وضع تجمّع طائفي في مواجهة تجمع طائفي آخر، بل هي طموح الى "تنقية أجواء الساحة الإسلامية بعد ما مرّت به من خلافات عميقة وصلت الى مستوى خطير كاد ان يجر البلاد الى الحرب الأهلية"، على أمل ان يحفز هذا التجمع الآخرين خصوصا في الساحة المسيحية، وان لم يمروا بمثل ما مرّ به المسلمون في ساحتهم وخصوصاً في 7 أيار، و"ينقوا أجواءهم" في تجمع قوي يمهّد للمشاركة في القرار السياسي داخل مجلس الوزراء، على غرار التجمع الإسلامي. وبغير ذلك يتعذّر على الرئيس المكلّف تأليف حكومة فاعلة وقادرة على العمل ومواجهة قضايا الداخل، وما أكثرها، وأخطار الخارج، وفي مقدمها الإرهاب وإسرائيل وشبكاتها.
وقال جنبلاط في واقعية ساطعة: "قد يكون من المفيد أن تخرج بعض الأصوات اللبنانية من القمقم الضيّق نحو رحاب أوسع حيث تتلاطم المخاطر التي تترك الآثار السلبية الكبرى على المستوى الداخلي اللبناني".

وهذه الدعوة الجنبلاطية للخروج من "القمقم الضيّق" موجهة الى أكثر من فريق لبناني، وان تكن تبدو انها موجهة الى الفريق المسيحي حصراً.
وقد بدت كأنها موجهة الى فريق في الغالبية السنية يتقدمه رئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة الذي يعتبر ان لا مبرر بعد الآن لوجود مقاومة في الجنوب من شأنها ان تعرّض البلاد وأمنها لاخطار شتى بسبب وجود "جزء بسيط" من الأرض اللبنانية تحت الاحتلال في مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا وقرية الغجر. وفي نظره ان  هذه الأرض يمكن استرجاعها بالطرق الديبلوماسية دون رهن حاضر لبنان ومستقبله للصراع الدموي مع إسرائيل، وعلى أساس أنه آن للبنانيين أن ينعموا بالأمان والإزدهار في ظل دولة مدنية تتطلع الى بناء غد أفضل، وتمنح الشباب الأمل في المستقبل، وتوقف نزف الهجرة، وتوجه الاهتمام نحو التنمية وجذب الاستثمارات بعيداً من التهديدات الاسرائيلية بسبب سلاح "حزب الله".
وعبّر السنيورة عن ذلك بوضوح في الكلمة التي ألقاها الثلثاء الماضي في الاحتفال بإطلاق تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2009 فقال: "ان مواجهة الاحتلال لا يجوز ان تكون مانعاً أو حائلاً دون توجيه الطاقات وبذل الجهود من أجل مجتمع مدني عصري منفتح تتعزز فيه مناخات الحرية، وتسود فيه سلطة الدولة، وينظّم عمل المؤسسات وحكم القانون". داعياً الى "إعادة النظر جذرياً في الأساليب والطرق التي كانت معتمدة في السابق في العمل لاستعادة الأرض وتحصين أمن المواطن العربي".

وإذ دعا الرئيس السنيورة الى إعادة النظر جذرياً في أساليب جبه الخطر الاسرائيلي على العرب جميعاً، وليس على لبنان فحسب، لم يقل لنا أي الطرق هي الأنجع في نظره لاستعادة الأرض. هل هي القوة التي تحدث عنها الرئيس جمال عبد الناصر الذي صادفت هذا الأسبوع ذكرى الثورة التي أطلقها في 23 تموز (يوليو) 1952 بقوله ان "ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" وقد حصد العرب بأنظمتهم المختلفة الهزائم والخيبات في المواجهات المسلحة مع العدو الصهيوني منذ حرب فلسطين عام 1948 وفضائح الأسلحة الفاسدة، حتى حرب الأيام الستة في حزيران 1967، ورزحت مساحات واسعة من الأراضي العربية تحت نير الاحتلال الاسرائيلي؟
أم عبر مبادرات السلام وآخرها المبادرة السعودية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002 ورفضتها إسرائيل؟
أم عبر استعمال سلاحي النفط والمال للضغط على الغرب من اجل احقاق الحق في فلسطين واعادة الارض الى اصحابها؟
أم عبر المفاوضات المباشرة وغير المباشرة التي تجرجر منذ مطلع تسعينات القرن الماضي انطلاقاً من مؤتمر مدريد للسلام؟
أم عبر المقاومة التي كانت الإنجاز الوحيد الذي حرر الأرض للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي، ورفع رأس العرب عالياً وفرض بالدماء والشهداء على العالم احترام حقوق الشعوب في الكرامة والسيادة والاستقلال؟

ان التوافق التدريجي الذي يحققه الرئيس المكلف في القضايا التي يشكّل الخلاف حولها عقبة في وجه التأليف، هو الطريق الصحيح نحو النجاح في اقامة حكومة وحدة وطنية تشعر البلاد بانها الآن في أمسّ الحاجة إليها، وتشارك فيها القوى السياسية بأحجامها الفعلية التي أظهرتها الانتخابات، وتكون عوناً للرئيس المكلّف وليس عبئاً عليه وعلى الحكومة. على ان تكون مقاومة العدو ومهمة استرجاع الارض في عهدة الدولة من خلال استراتيجية دفاعية تفيد من المقاومة كقوة اقليمية اثبتت فاعليتها في حرب غير كلاسيكية، تكون ظهيراً للجيش في الدفاع عن السيادة وجبه الخطر الاسرائيلي المتربص بنا والذي يتهدد وطننا في كل آن.

فهل هذا ما يريده الرئيس السنيورة؟
في نهاية الامر لا يصح الا الصحيح.