برّي: حان أوان وضع الأسود على الأبيض لتأليف الحكومة – نقولا ناصيف – الأخبار

وُضع تأليف حكومة الوحدة الوطنية بين أيدي ثلاثة طبّاخين ينتمون إلى ثلاثة مواقع سياسية مختلفة، وكل منهم يتولى جانباً في هذا الاستحقاق: رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي يتمسّك بحكومة تخلو من أي نصاب يُعطى لأي من الموالاة والمعارضة ويطرح الرئاسة ضماناً لتوازن القوى يحول دون انقسامها أو انهيارها، ورئيس المجلس نبيه برّي الذي يتولى قسطاً من المشاورات لتذليل العقبات وتقليل غلواء بعض حلفائه في المعارضة حيال مشاركتهم في الحكومة، والرئيس المكلف سعد الحريري المعني المباشر الذي يبحث عن معادلة مستحيلة توفّق بين تمثيل يعبّر ـــــ وإن جزئياً ـــــ عن نتائج انتخابات 7 حزيران ومشاركة تجرّد هذه النتائج من مغزاها عندما تساوي بين الموالاة والمعارضة.
ومع أن الطبّاخين الثلاثة يشتركون في بعث التفاؤل وإشاعة الإيجابية في الاتصالات والمشاورات التي يجرونها، إلا أن رئيس المجلس يبدو أكثرهم إثارة للانتباه حيال دفاعه عن إفراطه في التفاؤل والآمال. وهو يعزو موقفه إلى الملاحظات الآتية:

1 ـــــ أن المعطيات التي يملكها ويصرّ على عدم الإفصاح عنها، تجعله يعتقد بأن تأليف الحكومة سيحصل «قبل نهاية الشهر الحالي، لا في نهايته» رغم أن الأيام الفاصلة عن هذا الموعد قليلة. وعندما يقال له إن الرئيس المكلف يكون قد مضى على تكليفه تأليف الحكومة الاثنين المقبل شهراً، يجيب: «لا أهمية للوقت ما دامت الإيجابية هي التي تسود جهود التأليف».




2 ـــــ رغم أن لا مشكلة ظاهرة تعرقل التأليف، ولا أحد من قوى 8 و14 آذار يجهر بموقف سلبي منه، فإنه لا أحد يسعه تبرير عدم إبصار الحكومة الجديدة النور. لكن برّي ـــــ وهو يتكيّف مع المدّة الممدّدة للتأليف ـــــ تستوقفه أسئلة السفراء الذين يزورونه، وآخرهم سفير إسبانيا، الذي زاره أمس واستوضحه، بعدما ناقشه في الوضع في الجنوب ودور القوة الدولية هناك، في سبب عدم تأليف الحكومة ما دام لا مشكلة تعترضه. كذلك فعل سفراء أوروبيون آخرون والدبلوماسيون الذين يتردّدون عليه.
لكن برّي يرى أن القاسم المشترك الرئيسي الذي يجمع بين الأفرقاء هو رغبتهم في تأليف حكومة وحدة وطنية تقوم على المشاركة، من غير أن يبدو التباين في الرأي مصدر عرقلة. ويستند في هذا الرأي إلى أكثر من وجهة نظر في صفوف المعارضة حيال المشاركة، بين قائل بالنسبية، وقائل بالثلث الزائد واحداً، وقائل بالضمانات. ويقول برّي إنه يطلب المشاركة الفعلية التي يعرف الفريق الآخر سبل تحقيقها.

3 ـــــ يجد رئيس المجلس أن الأوان قد حان كي يضع الرئيس المكلف «الأسود على الأبيض»، ويقترح صيغة لتأليف الحكومة ينخرط الأفرقاء في مناقشتها توصّلاً إلى التوافق على مسودة تحمل أفكاراً محدّدة. وهو يعتقد، بعد مرور ثلاثة أسابيع على التكليف، أنه بات في وسع الحريري في ضوء ما تجمّع لديه من معطيات وملاحظات ومواقف في السلسلة الطويلة من المشاورات التي أجراها، استخلاص هذه الصيغة كي يصار إلى الانتقال إلى المرحلة التالية من التأليف، وهي توزيع الحقائب وتسمية الوزراء بين قوى 8 و14 آذار ومع رئيس الجمهورية، ثم داخل كل فريق، الأمر الذي يحمله على توقع أيام إضافية في عمر التأليف إلى أن تنجز المرحلة الثانية.

4 ـــــ يعزو برّي موجة التفاؤل المترجّحة بين التحفظ كما مع العماد ميشال عون، والإطلاق كما معه ومع الحريري وحليفهما النائب وليد جنبلاط، إلى حدوث ما كان يتوقعه، وهو خلط التحالفات بعضها ببعض، على نحو ما لمّح إليه قبل انتخابات 7 حزيران. وإذ لا ينسب هذا التحوّل إلى جهوده وحده، يقول إن مرحلة ما بعد تأليف الحكومة ستشهد مزيداً من خلط الأدوار والتحالفات الذي كان قد بدأ بعد الانتخابات: «الحريري وجنبلاط صوّتا لي لرئاسة المجلس، وأنا صوّتُّ للحريري لرئاسة الحكومة ولمروان حمادة لهيئة مكتب المجلس. وهناك في 8 آذار وفي 14 آذار مَن صوّت على نحو مستقل عن طبيعة تحالفات السنوات الماضية. إذن نحن على أبواب واقع سياسي جديد».

5 ـــــ يقول برّي إن الدستور لا ينصّ على مهلة محدّدة لتأليف الحكومة، لكن الفقرة 2 من المادة 64 تحمّله ضمناً بصفته رئيساً للمجلس مسؤولية دعوة الحكومة الجديدة إلى المثول أمام البرلمان في حال تأخُّرها في التقدّم منه ببيانها الوزاري لنيل الثقة، عندئذ يشرع المجلس ـــــ حتى قبل نيلها الثقة ـــــ في محاسبتها للوقوف على أسباب تلكؤها، من غير أن يمنحه ذلك حق إسقاطها ما دامت لم تحظَ بثقته.

تتلاقى وجهة نظر رئيس المجلس مع ما يقوله الوزير السابق الدكتور بهيج طبارة الذي يرى أن مهلة الحثّ في المادة 64 تنطبق على الحكومة الجديدة التي لا تنجز بيانها الوزاري في مهلة 30 يوماً من تأليفها، ما دام يتعذّر عليها ممارسة صلاحياتها الدستورية قبل نيلها ثقة مجلس النواب. وحتى ذلك الوقت تنطبق عليها حال الحكومة المستقيلة أو التي تُعَدّ في حكم المستقيلة، وهي تصريف الأعمال بالمعنى الضيّق، كلتاهما تكونان في حال تصريف الأعمال إلى أن تنتقل السلطة دستورياً من الحكومة السلف إلى الحكومة الخلف بعد نيل هذه الثقة، الأمر الذي يوجب استعجال وضع البيان الوزاري مع بدء سريان مهلة30 يوماً من صدور مراسيم التأليف.
يقول طبارة أيضاً إن الاستدلال الذي تنطوي عليه المادة الـ64 يعني حصر مدّة تصريف الأعمال بـ30 يوماً كي لا يكون إلى ما لا نهاية له، ولحضّ الرئيس المكلف على العجلة في تأليف حكومته ما دام لا نصّ دستورياً يرغمه على الاعتذار.