لا تنتظروا أن يسبقَ لبنان أحداً… مع إسرائيل – سركيس نعوم – النهار

قبل يومين نقلت صحيفة اسرائيلية عن مصادر اسرائيلية مطلعة معلومات تفيد ان ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما تعتزم تحريك عملية السلام في الشرق الاوسط بمساراتها الثلاثة الفلسطيني – الاسرائيلي والسوري – الاسرائيلي واللبناني – الاسرائيلي. وتفيد ايضاً أن تركيزاً ما سيحصل على المسار الأخير اقتناعاً من واشنطن بأنه أسهل المسارات الثلاثة. وفي الامكان تحقيق انجاز سريع عليه نظراً الى ان القضايا المتنازع عليها بين لبنان واسرائيل ليست صعبة الحل مثل  تلك التي بين الدولة العبرية وكل من الفلسطينيين وسوريا. فمع لبنان هناك قرية الغجر التي لا تزال اسرائيل تحتلها ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي تحتلها اسرائيل ايضاً ويبدو ان هناك تنازعاً ضمنياً على ملكيتها بين سوريا ولبنان رغم اتفاقهما العلني والرسمي، وان غير الموثّق، على هويتها اللبنانية. وفي هذا الاطار وضعت الصحيفة الاسرائيلية الزيارات التي سيقوم بها ثلاثة مسؤولين اميركيين رفيعي المستوى لاسرائيل وعدد من دول المنطقة وهم وزير الدفاع روبرت غيتس، ومستشار الرئيس باراك أوباما لشؤون الأمن القومي الجنرال جيمس جونز، والموفد الخاص  السناتور السابق جورج ميتشل.
هل معلومات الصحيفة الاسرائيلية في محلها؟

ليس سراً اهتمام الرئيس الاميركي باراك اوباما بالصراع الفلسطيني – الاسرائيلي كونه جوهر الصراع العربي – الاسرائيلي والغطاء الذي يستعمله المتطرفون الاسلاميون، على تنوّعهم وتناقضهم، لتغطية الارهاب الذي ينفذونه ضد مصالح بلاده والمجتمع الدولي كله. فالخطب التي القاها منذ وصوله الى البيت الابيض، وخصوصاً في انقرة ثم في القاهرة، دليل على حجم الاهتمام. واختلافه العلني مع الحليفة الاستراتيجية الاولى لبلاده في الشرق الأوسط، أي اسرائيل، وتحديداً مع رئيس حكومتها اليميني بنيامين نتنياهو وغالبية اعضائه البالغة التشدد، دليل آخر على الاهتمام نفسه. واصراره على مواقفه، وخصوصاً في موضوع وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية سواء كان جديداً او استجابة لنمو طبيعي للمستوطنات القائمة، دليل ثالث على الاهتمام اياه. واصراره ايضاً على الدول العربية وخصوصاً الكبيرة منها وفي مقدمها مصر والمملكة العربية السعودية التي تقدمت بمبادرة سلام عام 2002 في قمة بيروت العربية، كي تقدم على خطوات معينة "تطمئن" الاسرائيليين يعدها البعض تطبيعاً جزئياً والبعض الآخر خطوات بناء ثقة دليل رابع وربما اخير على اهتمام اوباما وحرصه على اظهار شيء من التوازن في مبادرته السلمية العربية – الاسرائيلية والفلسطينية – الاسرائيلية. وهو توازن فكّر فيه حين فكَّر في مبادرته السلمية وقرَّر وضعها موضع التنفيذ ولم يكن رد فعل متأخراً على رفض اسرائيل نتنياهو – ليبرمان لهذه المبادرة الهدف منه اقناعها بأنه يعمل لمصلحتها ايضاً ولمصلحة المنطقة والمصالح الاميركية فيها وليس لمصلحة العرب فقط.




لكن ما ليس سراً ايضاً هو ان ادارة الرئيس باراك اوباما لم تفاتح حتى الآن، رسمياً على الاقل، لبنان أو حكامه المتنوعين والمتناقضين في موضوع معاودة المفاوضات مع اسرائيل، سواء في شكل منفرد باعتبار ان مشكلاته معها بسيطة وسهلة الحل (ترسيم حدود فقط)، أو في اطار مؤتمر سلام تتحرك المسارات الثلاثة داخله ولكن بشيء من الاستقلال. طبعاً قد يكون هناك داخل ادارة اوباما، واكيد ان هناك خارجها، من يعتقد بضرورة اقناع لبنان و"ببراءة" مطلقة بالتفاوض مع اسرائيل والتوصل الى سلام معها وان قبل غيره أي سوريا والفلسطينيين. لكن هذه الادارة ورئيسها يعرفان ان السير في هذا الموضوع محفوف بأخطار كثيرة. لكنهما يجب ان يعرفا ان القضية ليست قضية أخطار فقط بل هي قضية استحالة. فلبنان لا يستطيع ان يسبق سوريا والفلسطينيين في أي سلم مع اسرائيل، حتى وإن بدأ الثلاثة مفاوضاتهم مع اسرائيل في وقت واحد. كما لا يستطيع ان يسبق سوريا حتى في المفاوضات، رسمية كانت أم غير رسمية، رغم انها سبقته اكثر من مرة في التفاوض مع اسرائيل وإن غير المباشر بعد جمود عملية السلام التي انطلقت عام 1991 قبل سنوات طويلة.

اما لماذا لا يستطيع لبنان ذلك كله، رغم "بساطة" مشكلاته مع اسرائيل، فلأنه أولاً ساحة نفوذ لسوريا رغم خروجها منه عام 2005 وهي استعملته ولا تزال من أجل الضغط على اسرائيل ومن ورائها اميركا والمجتمع الدولي كي تستعيد الجولان المحتل وتحصل على مباركة اقليمية – دولية لدورها اللبناني "المميز" ودورها الاقليمي الواسع.
ولأنه ثانياً ساحة نفوذ للجمهورية الاسلامية الايرانية التي تضغط بواسطته على اسرائيل وأميركا وعلى المجتمع الدولي وعلى عرب اميركا كي تحقق اهدافها المتنوعة وأبرزها الاعتراف بها دولة عظمى في المنطقة.
ولأنه ثالثاً ساحة نفوذ للعرب الآخرين وفي مقدمهم مصر والسعودية يستعملونه لمواجهة اخصامهم من عرب وغير عرب.
ولأنه رابعاً ساحة نفوذ دولية وتحديداً غربية يمكن توظيفها في الصراع بل الحرب الكبيرة الدائرة بين اميركا وأخصامها في العالم ومنافسيها من جهة اخرى.
طبعاً ما كان لبنان ليكون ساحة نفوذ لكل هؤلاء، وتالياً ما كان ليكون عاجزاً عن اتخاذ القرارات التي تخصه وحده انطلاقاً من مصالحه لو كان اللبنانيون موحدين، وكانت هناك دولة لبنانية فعلية ومؤسسات حقيقية قادرة، مدنية وغير مدنية. ولو كان هناك ولاء فعلي للوطن أو بالأحرى لو غاب "الاشراك" في الولاء للوطن وتفوق الانتماء الى الوطن على كل الانتماءات الاخرى بما فيها الطائفية والمذهبية.
وبما ان معالجة كل "الآفات" المذكورة مستحيلة على الاقل في هذه المرحلة، وربما في المستقبل القريب والمتوسط، فإن الاصرار على تحرك سلمي للبنان مع اسرائيل يعني امراً من اثنين، إما ان هناك رغبة "خبيثة" اقليمية ودولية للقضاء على لبنان بتعريضه لحروب مستمرة. وإما ان هناك سذاجة في تقويم الوضع اللبناني الداخلي، ودور العوامل الدولية والاقليمية فيه.

والمعلومات المتوافرة لدى مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة تؤكد ان اميركا اوباما لا تزال متمسكة بلبنان السيد والمستقل ومستعدة لتقديم العون اليه في هذا المجال، وانها لن تساوم عليه سواء مع سوريا أو مع اسرائيل. لكن اميركا هذه تتمنى في المقابل ان يقوم اللبنانيون بدورهم في مساعدة انفسهم، لأن الخارج يوفّر ظروفاً ملائمة. لكن العمل الانقاذي داخلي، وخصوصاً في ظل اصرار كل "شعب" لبناني على ان يسود لبنانه لبنانات الآخرين.