دور الدين في القرار السياسي – محمد السمّاك – المستقبل

عندما تحلّ كارثة ما بشعب من الشعوب، سواء كانت كارثة من صنع الطبيعة (هزة أرضية، انفجار بركان، فيضان أمطار وأنهار، أو اجتياح بحري) أو كانت كارثة من صنع الانسان نفسه (حرب ابادة أو تطهير عرقي أو تفجير نووي، الخ..)، فهل لله علاقة بالأمر ؟ وما هي هذه العلاقة ؟.
الأدبيات الدينية على اختلافاتها وتبايناتها تجيب بالإيجاب.
ففي اليهودية مثلاً، الحاخام عفوديا يوسيف زعيم حركة "شاس" التي تشارك في الحكومة الإسرائيلية، يرى ان القمع الذي تعرّض له اليهود على أيدي النازيين خلال الحرب العالمية الثانية كان بسبب "ذنوب وخطايا ارتكبها هؤلاء، والأجيال اليهودية التي سبقتهم".
ولكي يؤصل لأقواله، أشار يوسيف، الذي يعتبر ايضاً أحد أهم مراجع الإفتاء في إسرائيل، الى ان "قيام البابليين قبل ألفي عام من احتلال القدس وتدمير الهيكل، جاء بسبب الذنوب التي اقترفها اليهود في ذلك الوقت"، ويرى انه من المؤكد "ان تحلّ الكوارث عندما تزداد الخطايا والذنوب".

وذهب الحاخام يوسيف الى أبعد من ذلك عندما وصف حادث غرق طفل يهودي في الأسبوع الماضي خلال رحلة بحرية في شمال إسرائيل بأنه كان أيضاً بسبب الذنوب التي يقترفها الإسرائيليون اليوم. ولكنه لم يحدد أين وضد مَن يرتكب الإسرائيليون هذه الذنوب التي يتعرّضون للعقاب الإلهي بسببها.
أما في المسيحية، ولدى وقوع حادث الاعتداء على برجي التجارة العالمية في نيويورك في سبتمبر أيلول من عام 2001، فقال أحد كبار القساوسة الانجيليين في الولايات المتحدة جيري فولويل (توفي منذ عدة أشهر) ان الحادث هو عقاب من الله للشعب الأميركي بسبب الخطايا التي يرتكبها. وأشار تحديداً الى ان من هذه الخطايا تشريع زواج المثليين.
ونظراً للمكانة العالية التي كان فولويل يتمتع بها في الأوساط الاميركية (كان صاحب برنامج تلفزيوني اسبوعي للتبشير بالانجيلية يُعرف بنادي السبعماية، يقدر عدد رواده بنحو ثمانية ملايين متفرج)، وفي الأوساط الرسمية (البيت الأبيض والكونغرس)، فقد سارعت ادارة الرئيس السابق جورج بوش الى سحب تصريحاته، حتى لا يفسر مرتكبو الحادث بأنهم كانوا أداة بيد الله لمعاقبة الشعب الاميركي، لإدانته بمعصية ارادة الله.
كذلك جرى تفسير حادث التفجير الذي استهدف مبنى في أوكلاهوما قبل عدة سنوات على انه تعبير عن الغضب الإلهي.




ثم ان لهذا المنطق توظيفات سياسية في اتجاهات اخرى..
فالإيمان اليهودي مثلاً بأن فلسطين هي أرض الميعاد، أي ارض وعَدَ الله بها الشعب اليهودي، يعني ان تهويد هذه الأرض هو استجابة للإرادة الإلهية والتزام بها. وان ذلك لا يعني فقط ان تكون الأرض ملكاً خالصاً لليهود، ولكنه يعني وجوب ان لا يعيش فيها سوى العنصر اليهودي المختار من الله وصاحب الوعد.
وتعتمد هذا المنطق أيضاً الحركة المسيحانية الصهيونية في الولايات المتحدة (وكان جيري فولويل أحد رموزها الكبار اضافة الى القساوسة أمثال بات روبرتسون وفرانكلين غراهام)، ذلك ان هذه الحركة التي يزيد عدد أتباعها على السبعين مليوناً، تؤمن بأن للعودة الثانية للمسيح شروطاً لا بد من توفرها. منها تهويد فلسطين وبناء الهيكل -على أنقاض المسجد الأقصى-. ولذلك تدعم هذه الحركة المسيحانية الحركة الصهيونية اليهودية ليس حباً باليهود، ولكن اعتقاداً منها بأنها تحقق في ذلك شروط عودة المسيح الذي سوف ينتقم من جميع الذين أنكروه وتنكروا له من مسلمين ويهود. وفي أدبيات هذه الحركة ان اليهود سوف يبادون في معركة هرمجيدون، وانه لن يبقى منهم سوى 114 ألفاً فقط ينجون من المذبحة الكبرى لإيمانهم بالمسيح العائد واتباعه.

وتصوّر هذه الحركة معركة هرمجيدون (نسبةً الى سهل مجيدو الذي يمتد من القدس حتى حيفا على البحر المتوسط) بأنها ستكون من أفظع المعارك التي شهدتها الانسانية في تاريخها حيث يقتل الملايين من البشر ويذوبون في النار التي تصهر الحديد. وفي أدبيات هذه الحركة انه بعد تلك المعركة الماحقة يسود السلام ويحكم المسيح العائد الكرة الأرضية لمدة ألف عام يسمونها الألفية، ثم تقوم الساعة !!.
وفي بعض الأدبيات الاسلامية نظرية دينية تقوم على نظرية الإيمان بعودة المهدي، ولكن هذه العودة غير مرتبطة بمعركة يُباد فيها الملايين من البشر. الا انها تقول بأنه يسبق العودة ظلم وفساد كثير، ثم يأتي المهدي ليملأ الدنيا أمناً وعدلاً وسلاماً.
كذلك فإن في الأدبيات الاسلامية دعاء يقول: "اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا". وهذا الدعاء يعكس الاعتقاد بأن ما يحلّ بالمسلمين من محن هو تعبير عن غضب الله نتيجة لما يرتكبه السفهاء منهم من معاصي أدّت الى غضب الله. ويعزّز هذا الاعتقاد ما ورد في الآية رقم 16 من سورة الاسراء التي تقول: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميرا".

بهذه الأدبيات الدينية، فإن الانتصارات التي يحققها أي شعب من الشعوب تفسر على انها "رضى من الله". وبالتالي فإن الانكسارات تفسر على انها "غضب من الله"، وفي الحالتين فإن صناعة التاريخ هي سلسلة من موجات الرضى والغضب الإلهيين نتيجة حسن أو سوء تصرّف الناس. يعزز ذلك ما يقول به القرآن الكريم من ان الله "لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم". فالتغيير نحو الأفضل يتطلّب الالتزام بأوامر الله وتجنّب معصيته.. وإلا فإن الثمن الباهظ يدفعه العاصون، أياً كان الدين الذي يؤمنون به.
طبعاً للمؤرخين ولعلماء السياسة والاجتماع مفاهيم اخرى سواء بالنسبة لنظرتهم الى الوقائع أو لتفسيراتهم للأحداث التاريخية. وهذا موضوع آخر. الا ان أخطر وأسوأ ما في هذا التداخل بين الديني والسياسي، هو تقويل النصّ الديني ما لم يقله، وتحديد مفاهيم مختلفة ومتناقضة للارادة الإلهية من قضية واحدة، والتصارع بين الناس على أساس هذه المفاهيم المتناقضة والتقوّلات المختلفة.. التي ما أنزل الله بها من سلطان!!.