التفاهم هو الضمان وليس الشخص ولا الحزب ولا… – سركيس نعوم – النهار

نشرت وسائل الاعلام في الأيام التي أعقبت اجتماع رئيس الوزراء المكلَّف سعد الحريري والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعضاً من الكلام الذي دار خلاله. ولم يبادر احد الى نفي هذا الكلام الأمر الذي يرجّح انه قيل ولكن لا يشير الى الاطار الذي قيل فيه. وما يعزز هذا الترجيح الهوية السياسية للوسائل الاعلامية التي اقدمت على نشره والتعليق عليه ، وهي هوية "مقاومة"، اذا جاز التعبير.

ماذا جاء في الكلام المشار اليه؟
جاء فيه ان الحريري أبدى رغبة في التعاون مع السيد حسن نصرالله والفريق السياسي الذي ينتمي اليه لتأليف حكومة وحدة وطنية. وأبدى حرصاً على النظر بايجابية الى المطالب الوزارية والسياسية لهذا الفريق. لكنه في الوقت نفسه اثار موضوع الثلث الحكومي الذي يعتبره هو وفريقه معطلاً فيما يعتبره نصرالله وفريقه ضامناً، متمنياً على الاخير عدم التمسك به وتسهيل التوصل الى تفاهم على صيغة اخرى تؤمن المشاركة ولا تسلب الغالبية ما حققته في الانتخابات النيابية.
طبعاً تشعّب الحديث بين الرجلين وشمل كل القضايا العالقة، فسأل نصرالله الحريري عن الضمانات التي يقدمها والتي من شأنها اقناعه وفريقه بالتخلي عن الثلث الضامن او المعطّل. فكان جوابه: أنا الضمان. وطبيعي ان هذا الجواب لم يكن مقنعاً لسيد المقاومة.




هل كان نصرالله محقاً في عدم اقتناعه بالضمان الذي اعطاه الحريري؟
نعم. كان محقاً في ذلك. ولا ينتقص هذا الجواب من الثقة برئيس الوزراء المكلف ولا من صدقه وجديته في السعي الى تفاهم مع "حزب الله" وفريقه المعارض يؤسس لتعاون مستقبلي دائم. لكنه يؤكد ان العواطف والمواقف الشخصية ليس لها مكان في السياسة.
ففي الحياة العادية، وخصوصا ابان المشكلات والحروب والتنافس بين الاحزاب والميليشيات وغيرها، يمكن ان يعرض شخص نفسه ضماناً وربما حصل ذلك اكثر من مرة خلال حروب لبنان. وكان الضمان يعني وضع الشخص الضامن نفسه رهينة الى ان ينفَّذ ما وعد به، علماً ان حلاً كهذا ليس  انسانياً.
اما في الحياة السياسية فلا مجال "للدَّين" اذا جاز هذا التعبير. فـ"الدفع يجب ان يكون نقداً وعلى الفور" لأن "الدَّين ممنوع والعتب مرفوع والرزق على الله". اذ يمكن ان تتكوّن ظروف داخلية واخرى اقليمية وثالثة دولية تجعل من الصعوبة بمكان على الرئيس المكلف، بعد انطلاق حكومته، الوفاء بوعده، أو احترام الضمان الذي قدمه. ولا يتعلق هذا الامر بشخصه او بصفاته وخصائله واذا كانت حميدة أم لا بل بقدرته  التي يمكن ان تعطّلها الظروف المذكورة.

ماذا في الضمانات التي يطلبها او يفترض ان يطلبها الحريري وفريقه من نصرالله وفريقه في المقابل؟
لم تشر المعلومات التي نشرتها وسائل الاعلام الى هذا الامر، ربما لأن تسريبها حصل من جهة واحدة. وقد يكون اثارها رئيس الوزراء المكلف مع الامين العام لـ"حزب الله"، ولكنها تبقى رغم ذلك مهمة لأنها لا بد ان تدخل في صلب التفاهم على الحكومة المقبلة وخصوصاً بعدما صارت ومنذ تأليف الحكومة الثانية للرئيس فؤاد السنيورة بعد اتفاق الدوحة لعام 2008 جزءاً من الخطاب السياسي في البلاد.

ففي مسألة تعطيل الحكومة ومجلس الوزراء بفعل الثلث الضامن، من يقدِّم الضمان بأن هذا الثلث لن يكرر التعطيل في الحكومة الجديدة؟
وهل يكفي ان يقول نصرالله وفريقه كله انه هو الضمان كي تطمئن القلوب وتعمل الحكومة بانسجام تام من دون عوائق؟
وماذا اذا استجدّت ظروف دفعت "السيد" وفريقه، رغم صدق ضمانهما وجدّيته، الى اهماله (اي الضمان) بحجة انه يتناول قضايا استراتيجية تتعلق باسرائيل وتهديدها للوطن اللبناني وللوطن العربي والأمة الاسلامية؟ علماً ان ظروفاً كهذه استجدت عام 2006 ودفعت الحزب الى القيام بعملية ضد اسرائيل فشنت هذه حرباً على لبنان، رغم انها لا تحتاج الى ذرائع للاعتداء عليه بحسب تاريخها.

وفي مسألة السلم والحرب هل يكفي ان يضمن الحزب شفهياً او حتى خطياً (من خلال البيان الوزاري) ان يكون قرارهما في مجلس الوزراء كي لا يتكرر ما حصل عام 2006؟
وماذا اذا استجدت ظروف كالمشار اليها اعلاه؟
 وفي مسألة عدم استعمال السلاح المخصص لمواجهة اسرائيل والدفاع عن لبنان في وجهها في الداخل، هل يكفي الضمان الشخصي او حتى الخطي الذي يقدمه "الحزب" وفريقه كي يبقى اللبنانيون في منأى عن الاستهداف من هذا السلاح واصحابه؟ وفي هذا المجال تجدر الاشارة الى امر مهم جداً هو ان "حزب الله" بلسان أمينه العام كرر اكثر من مرة، وربما كانت احداها اثناء اجتماعه بالحريري، ان ضمان سلاح "المقاومة" هو "نحن" وهو "شعبها". ومعنى ذلك معروف وهو عدم الحاجة الى ضمان لذلك من اي فريق داخل لبنان. ومغزى ذلك معروف وهو افهام من لم يفهم بعد ان مركز القوة في لبنان ليس ديموغرافياً اي عددياً فحسب بل ايضاً عسكرياً.
طبعاً ليس الهدف من هذا الكلام انتقاد "حزب الله" وأمينه العام اللذين نحترم ولا فريقه المعارض كله، بل هو شرح الأمور والأوضاع للناس ربما بشيء من التبسيط لأن انتشار الاصطفاف في البلاد بل تحوّله قاعدة وشموله الغالبية الساحقة من الإعلاميين ووسائل الإعلام جعل الناس امام شروح وتحليلات مجتزأة للواقع وللوضع والخلفيات والأبعاد رغم احتمال كونها صحيحة لأن الهدف صار تبرير مواقف معينة وانتقاد مواقف أخرى. ذلك ان حرب السياسة وحرب الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيارات والاشخاص صارت ايضاً حرب وسائل إعلام وإعلاميين ويا للأسف. والهدف من هذا الكلام ايضاً هو دعوة رئيس الوزراء المكلّف والامين العام لـ"حزب الله" الى عدم تذاكي أحدهما على الآخر ودعوة كل من فريقي المعارضة والموالاة الى عدم احتكار الوطنية واتهام الآخر بالارتهان للخارج او بالاستماع اليه او التشاور معه والى الاعتراف بأنهما يمارسان  هذا التصرف على السواء. ونحن لا ننتقد بل نعرض واقعاً قد تكون له اسبابه. والهدف هو دعوتهما ايضاً الى جعل مصلحة لبنان الواحد المتوازن الديموقراطي السيد المستقل المتنوع فوق مصالحهما الفئوية الكثيرة وفوق مصالح "حلفائهما" الخارجيين. وذلك يعني تأليف حكومة تحالف وطني تمكّن شعوب لبنان من انتظار الحلول الكبرى في المنطقة بحد أدنى من الهدوء والطمأنينة. ودعوتهما اخيراً الى عدم "الانخداع" بالدعم الخارجي وبأنهما "حلفاء" للخارج لأنهما ليسا كذلك. ويتساوى في هذا الأمر الجميع وخصوصاً بعدما صار لبنان ساحة لكل الأطراف الخارجيين المتصارعين. والساحة لا يأخذ احد مصالحها في الاعتبار ، مما يعني انها قد تُدمَّر وشعوبها من أجل الآخرين.