الحريري في غرفة الانتظار: أدركني يا عبد الله – ابراهيم الأمين – الأخبار

سيجد كثيرون أن في الكلام إساءة، إلا أن سعد الحريري أظهر ـــــ للأسف ـــــ أنه لا يملك القدرة على المبادرة بشيء. لا هو كان قادراً على حسم خلافات الحلفاء يوم اندلعت معركة تأليف اللوائح الانتخابية، ولا كان قادراً على إعلان ترشّحه لرئاسة الحكومة قبل أخذ موافقة السعودية والولايات المتحدة ومصر، ولا هو الآن قادر على تقديم أي طرح يمكن مناقشته بمعزل عمّا ستبلغه إياه السعودية عن حصيلة اتصالاتها مع سوريا.

يوم جاء عبد العزيز خوجة إلى سعد وأبلغه أن المفاوضات في سوريا تقترب من توافق على اتفاق يتطلب أن يزور الحريري دمشق، سأله سعد: الآن قبل التأليف؟ أجابه الخوجة بنعم، فرد الحريري: إذا كنتم في السعودية ترعون هذا الاتفاق فأنا حاضر، لكن لا أعرف إذا كان حلفائي في 14 آذار يقبلون. وبعدما تدخلت الولايات المتحدة ومصر وجهات أخرى ترفض شراء بطاقة دخول الحريري إلى السرايا من خلال نظام «الدفع المسبق»، انتظر الحريري سماع الكلام من السعودية. هذا لا يعني أنه ليس صاحب موقف شخصي، بل ليس صاحب رأي ومبادرة وخطوة. لكنه لم يكن يقدر على التصرف بمفرده رفضاً أو قبولاً، فترك للسعودية أن تسمع من الأميركيين والمصريين الوجهة، حتى عاد ليتبلغ أن الأمر جُمّد. لكن التعليمة الأساسية التي تقول بوقف الحملة على سوريا، ظل الحريري ملتزماً بها.




لكن ماذا يفعل بعد ذلك؟ قرر الحريري ملء الفراغ بسلسلة من الاتصالات السياسية التي اقتصرت نتائجها حتى الآن على «تبادل النيات الطيبة» مع الحلفاء والمعارضين. قال إنه لا يضع فيتو على هذا الوزير أو ذاك، وإنه مستعد لكل الضمانات السياسية مقابل تخلي المعارضة عن مطلب الثلث زائداً واحداً، وإنه يريد التعاون في كل شاردة وواردة. وقال لرئيس الجمهورية إنه لا يمانع أن تكون له حصة كبيرة، لكن بالاتفاق مع الآخرين، وإنه يؤمن بأن يؤدي الرئيس دور الضامن للجميع، وقال لحلفائه إنه لا يريد إطاحة نتائج الانتخابات النيابية، وسيحفظ لكل منهم حقه. بدا سعد الحريري أمام مهمة غير واضحة التوصيف، ولا حتى الأهداف، وهو كذلك، لأنه يعرف منذ اليوم الأول أن مَن قرر ترشيحه لهذا المنصب قال إنه سيوفر له ضمانات النجاح.
من جانب آخر، لم يكن الحريري يقدر على المبادرة حتى في تفاصيل الحوار السعودي ـــــ السوري وآلياته. لم يكن هو في قلب هذا الحدث، ولولا ذلك لكان قد لفت انتباه الأمراء، وهو يعرف طريقه إليهم منذ زمن بعيد، إلى أن فكرة «إعلان دمشق» غير ممكنة التحقق الآن. لكنه كان خارج هذا المربع، وعندما تعهدت السعودية تنفيذ هذا الاتفاق كانت تعرف أنها تمون على الحريري، وتعرف أن تمون أيضاً على وليد جنبلاط، وإن كان الأخير غير معارض، وأن لها فواتير قابلة للتحصيل عند مسيحيي 14 آذار. لكن السعودية بالغت على ما يبدو بالتفويض المعطى إليها من الولايات المتحدة لإنجاز «اتفاق لبناني» في سوريا.

مع تعثّر المساعي السعودية ـــــ السورية لم يتغير الأمر على سعد الحريري، فهو أصلاً جالس في غرفة الانتظار. وواقع الأمور سيجعله يجلس وقتاً إضافياً، لكنه تصرف على أساس أنه لا يريد أن يصاب بالملل انتظاراً، فحاول إشراك الآخرين في هذا العقاب، من معارضين وموالين، لكن النتيجة هي نفسها:
لا يملك سعد الحريري أي تفويض بأن يبادر إلى خطوة عملية، وإلا فما الذي يؤخره؟ هل هو خشيته من عدم الاتفاق مع المعارضة، أم أن يرفض رئيس الجمهورية الحصة المقترحة له فيرفض توقيع المراسيم، أم هو لا يقدر على «تشليح» حلفائه المسيحيين قسماً من حصتهم الوزارية، أم هو لم يبتّ بعد الأمر الأهم الخاص بتوزيع الحقائب الوزارية بين الفرق كافة؟
الله أعلم بماذا يفكر الحريري الآن، لكن النتيجة المنطقية الوحيدة عند الجمهور، هي أنه يقدر اليوم على بيع الكلام المعسول، أما البضاعة الحكومية فلا تزال محجوزة عند السعوديين، وتالياً عند السوريين، ذلك لأن الرياض هي من قررت إشراك سوريا في القرار.

وبما أن الأمور على هذا المنوال، فإن ما هو منتظر يمكن قراءته من دون توتر أو مبالغات:
1ـــــ سوريا ترحّب بالحريري الآن قبل تأليف الحكومة، أما بعده فهي لن تعاني أزمة وجودية إن تأخر الرجل أربع سنوات جديدة، إلا إذا كان هناك ما يوجب اتصاله بنظيره السوري.
2ـــــ إن سوريا تنتظر عودة الموفد السعودي إليها، وهي مرتاحة إلى التواصل القائم بينها وبين الرياض، وترى أنها مستعدة للتعاون في ما خصّ لبنان، لكنها تقول صراحة إنها ليست جمعية خيرية، وهي لا تعمل عند الآخرين، وهي لا تشعر بأن تخليها عن هذا الدور سيهدّد مصالحها في كل المنطقة، وخصوصاً في لبنان.
3ـــــ إن السعودية تحتاج إلى شراكة سوريا في إدارة ملف لبنان، ليس بسبب الوقائع التاريخية، بل لأن السعودية لا تقدر على تحمّل مسؤولية إدارة لبنان وحدها، وهي ليست بوارد فتح جبهات جديدة لها من إيران إلى فلسطين.
4ـــــ إن المعارضة في لبنان تتفهم ما يمكن أن تصل إليه سوريا والسعودية، لكنها تعرف أنه لن يكون هناك اتفاق على حسابها، وهي لن تلتزم باتفاق تراه مجحفاً بحقها. وهذا يسهّل على السعودية، كما على سوريا، تبيان معالم الطريق إلى أي اتفاق.
فماذا سيفعل الحريري؟ هل لديه خيار آخر غير تبديل صالونات غرفة الانتظار؟ أليس هو وحلفاؤه في 14 آذار يريدون حكومة «تُصنع في لبنان»، فما الذي يمنعه من تأليف حكومة من دون المعارضة؟

حقيقة الأمر هي أنّ من يمنعه ـــــ لا ما يمنعه ـــــ هو نفسه الذي يتّكل عليه الحريري في مشروعي التكليف والتأليف.. أدركه يا عبد الله!