الجمهورية بين التوافقية والديموقراطية – بول شاوول – المستقبل

على امتداد مراحل الوصايات المتعاقبة والحروب المتنوعة، والمتتالية علينا وفي ظل الهيمنات الخارجية واصطفاف "المحميات" البلدية (الطائفية بأحزابها) وراء المخططات والخضوع لالزامات هذا الخارج، لم يكن عندنا لا أكثرية ولا أقلية بالمعنى الناتج عن صراع سياسي يُعَبَّر عنه في انتخابات برلمانية أو نقابية أو حتى خيرية. كانت سياسة "الفصل" هي السائدة مع تغير السحن والسيطرة والمعارك والتدخلات والأسلحة. كان النظام الأمني المشترك أخيراً، وقبله الوصايات المتناكبة والمتصارعة، هي الأقلية والأكثرية والنواب والوزراء والاعلام والتعبير، وكانت الميليشيات التظهير المادي لهذه الظواهر. وعلى هذا الأساس كان يتم ضرب هذه الطائفة او تلك إما بالحاق الهزيمة بها بسلاح خارجي طبعاً او بنفي زعمائها وسجنهم وتهديدهم أو استيعابهم وإحلال "شهود" ثانويين مكانهم: وكانت حكومة عمر كرامي الأخيرة التي أسقطتها انتفاضة 14 آذار خير دليل على ذلك، اذ غُيبّت عنها رموز طوائف وأحزاب أساسية: الدروز (غابت كتلة جنبلاط)، والسنة (غابت كتلة الحريري وسواها من الوجوه السنية الراسخة)، والموارنة (غاب ريمون اده وميشال عون وامين الجميل (في المنفى) وسمير جعجع (في السجن)… عندها، ولأن الحياة السياسية انتفت لم يكن ما يسمى آنئذ أقلية ولا أكثرية فهما مختزلتان في قرار خارجي.ذلك أن وجود أكثرية وأقلية يعني بداهة وجود انتخابات ديموقراطية وحرية اختيار ومهزوم ومنتصر. وهذا ما نشهده عريقاً في الأنظمة القائمة على ان السلطة تنبثق عن الشعب والحكم يحدده الشعب؛ إذاً عودة الى ان خيار الشعب هو الخيار الأساسي. هذا مفهوم! ولكن ما حصل في الانتخابات الماضية قبل 4 سنوات ان انبثاق اكثرية (14 آذار) وأقلية (8 آذار) وُوجِهَ بتعطيل دستوري وشارعي وعنفي أي انقلابي: وَوُجهت الديموقراطية بالعقل الانقلابي او بذهنية بعض الأنظمة العربية الشمولية السائدة، بحيث تم تجاوزها، وفي الوقت نفسه التسلق عليها. وكانت لغة الشتائم والتخوين والتهديد من دون ان ننسى الاغتيالات ولا الحروب المرتجلة ولا أنواع احتلال الساحات أو غزو بيروت وبعض المناطق بذريعة لا شرعية الحكومة بمحاصرتها، وغير جدوى مجلس النواب فعطّل بحجج تدعو الى الخجل! وعندما تهيأت "الأقلية" للانتخابات الثانية في الزمن الاستقلالي، وكانت تتوقع فوزاً "مُبيناً" بحمده تعالى اسفرت النتائج عن هزيمة مدوية لها ومجلجلة وصادمة باعتبار ان الاستطلاعات التي اجرتها اعطتها كما يقال تقدماً بـ 80 صوتاً… ولكن حساب الحقل شيء وحساب البيدر شيء آخر. واذا كانت هذه الأقلية وبمنطقها اعتبرت الأكثرية السابقة "وهمية" أو "نظرية" فانها والف حمده تعالى مرة أخرى ومرات بدت لها ان شعبية الأكثرية لا مرتبطة بالاستقطابات السريعة الزائلة ولا بظروف عابرة واعترفت بالنتائج وبهزيمتها لكن لم تتغير العقلية والشروط التي تبنتها كالثلث المعطل… مثلاً او الضامن، أو "المشاركة" أو حكومة "الوحدة الوطنية" أو "خلط أوراق 8 و14 آذار… أو "التمثيل النسبي" أو التمسك بوزارات مفصلية كالدفاع والاتصالات وسواهما، كلها تنبئ بأن الأقلية تتصرف وكأنها هي الأكثرية! هذا التصرف يخفي احتقاراً لارادة الناس عبر تسفيهها وتسطيحها وتقليبها ومصادرتها. فعندما تفرض "أقلية" ما، أياً كان شكلها، إرادتها على اكثرية ما، يعني قبل كل شيء عدم اعتراف "ضمني" أو "سافر" بنتائج الانتخابات او تأويلها تأويلاً هو أقرب الى الغائها، كأن تقول بعد النتائج ان للأقلية أكثرية شعبية بعد هزيمتها، وان للأكثرية اقلية عمومية بعد انتصارها "عنزة ولو طارت". وهذا (لعمري) لبدعة ما بعدها بدع، وتلفيق ما بعده تلفيق، ونوع من "سبي" جاهلي لأصول الديموقراطية وميراثها وهياكلها ودساتيرها.

صحيح ان من حق أي فئة ان تطالب بما تشاء، وان ترعى وتراعي وتقدم مصالحها (حتى على الوطن!) ولكن ما هو غير مفهوم هذه التمويهات والتلويحات المبطنة والتي تستدرج الخارج للانخراط أكثر في اللعبة مع مطالبة الأقلية بعدم تدخل هذا الخارج. عال! كأنما من عمق السيادة ومن مستلزمات الاستقلال ومن ينابيع الديموقراطية تتطلع هذه الأكثرية: انه الكلام المعسول الأكثر والأحلى من الشهد وعصير الليمون والكرز.. لكنه كلام "منقب" يخفي وراءه ارادة خارجية مصرة على اظهار ان لا شيء يحدث او يدور أو يمشي أو يتوقف في لبنان الاّ بإذنها تعالى! توزيع أدوار! ربما! ايجابية من الخارج الاقليمي تقابلها عراقيل يضعها من يؤتمر بهذا الخارج: والصورة للدول العربية مظهرّة تماماً: ان اللبنانيين كلهم غير مؤهلين لا لتأليف الحكومة ولا لاستلام رئاسة الجمهورية.. ولا لفتح مجلس النواب ولا لتطبيق الدستور ولا لادارة البلاد! انه تكرار مُمِلّ لسيناريوات العقود الأربعة الماضية التي وضعتها واخرجتها الوصايات المتعاقبة من عربية وأعجمية وصولاً الى العدو الصهيوني. اذاً فليستنقع كل شيء في لبنان! فلينتنْ كل شيء. فليشوَّه كل شيء: الديموقراطية أولاً، لأن الديموقراطية اللبنانية على علاتها فضيحة للدكتاتوريات العربية وكذلك الأعجمية، ومنها ايران اليوم. والمضحك ان هذه الأنظمة الديكتاتورية "المشرشة" بالقوة تمتدح ديموقراطيتنا وهي تطعنها، تغازلها وهي تحاول خنقها، وتداريها وهي تغتصبها! اذ كيف لعقل دكتاتوري ان يقبل الديموقراطية ولو في آخر الدنيا! وتالياً كيف لعقول مخابراتية وقمعية وبوليسية ان تحيي فعلاً وقولاً الحرية بأشكالها الشعبية والثقافية والانسانية والاقتصادية. وتالياً كيف لعقول فوقية ان تقبل حتى بحدود دنيا للحياة السياسية الصحية القائمة على الصراعات الفكرية وعلى اعتمالات المجتمع المدني بتعدديته الأيديولوجية والفكرية! (وقد عشنا أربعة عقود من دون ما يسمى حياة سياسية) وهذا النموذج: اللاحياة سياسية يُصدَّر الينا عبر الذهينات الانقلابية والتخوين والتهديد وتشويه ارادة الناس وتسفيه القادة بل وتحجيم كل قيادة وطنية لها جذور عميقة في المجتمع: فكل وصاية تفضل التعامل مع "شخصيات" خفيفة، هوائية، وفاسدة ومأجورة تحارب بها ما يفرزه الواقع من ظواهر وافكار وتيارات! بل أكثر: تحاول كل وصاية (وهذا علمناه وخبرناه على امتداد سنوات) ان تُحبط الجمهور: بل تريد ان تسحب نموذج "جماهيرها" "المضبوطة" والمطيعة والمرتبطة بأحادية مفروضة عليها، الى بلدان أخرى كلبنان. لأن ما من شيء يخيف الدكتاتوريات اكثر من وعي الشعب لشروطه وحقيقيتها، واكثر من جهوزيته لاستعادة دوره.. ولا يُخيف الدكتاتوريات اكثر من خروج الناس على سياسة الخوف، والرعب والاستكانة واللجوء الى التحركات الجماهيرية: أو ليس هذا ما اسقط الملكية في فرنسا والشاهنشاهية في ايران (واليوم تتكرر الظاهرة مع النظام القائم، انشاء الله!) ولا لشيء اثقل على قلب الوصايات من إعلان المجموعات ارتباطها بسيادتها، واستقلالها وديموقراطيتها: انها اللعنة تصيبها. وعندها لا بد لها ولكي تشوه الصورة الربيعية المضيئة من ان تطلق عنان التخوين واتهام الناس بالعمالة للخارج والموضة اليوم: العمالة لاسرائيل ولأميركا! برافو! والمستغرب في كل ذلك اصطفاف فئات محلية مع كل وصاية ومحاربة كل تململ استقلالي وتبني كل مقولات الوصايات: هذا ما حدث عندنا وبالتناوب والتواتر مع احزاب الطوائف والمذاهب! (برافو)، من ضمن اهداف رخيصة اقلها سلطة او امتياز واكثرها (تبوؤ) الجمهورية بارادة خارجية: انه الارتهان بأبهى صوره وأسطعه وأنصعه! فيا للخير! ويا للعز ويا لكرامة الطوائف ويا لحقوقها ويا لمصيرها! اذاً، فليعبر كل هؤلاء (تقول الوصايات) الى خارج الجمهورية اذا كانت هذه الأخيرة تعني اجتماع التناقضات والاختلافات لتعزيز الديموقراطية، او لتكريس السيادة (السيادة! انهم السم الزعاف وليكن كل السياديين بحسب الوصايات عملاء وجواسيس!). هذه سياسة استعمارية قديمة جداً قدم الاستعمار وباتت معروفة وممجوجة كاسطوانة مشروخة. والمشكلة ان الذين يتهمون الديموقراطيين بالفساد اوبالتخريب او بالعملاء… هم على حق: فالديموقراطية بالنسبة للدكتاتورية هي خيانة، وتخريب.. والديموقراطية بالنسبة الى الأنظمة الشمولية هي خروج على الإجماع المفروض بالحديد والنار. وهي خيانة "الوحدة الشمولية القطيعية" ذات الـ 99,99 بالمئة للقائد البطل والأخ الأكبر والفطين الأكبر والعبقري الأكبر لا يوازيه احد من ملايين الجماهير سوى احياناً من يخلفه بعد رحيله من اهل العائلة الثورية أو بني جلدته.. ومن بذرة جيناته "المقدسة".. الاستثنائية! اذاً من يتكلمْ عن الديموقراطية ينقض كل هذه "الألواح" التاريخية القدسية! ومن يصفِ الجماهير بغير اجماعها القسري يهدد الأمن القومي.. ويسبب "الحروب الأهلية" : فالتعددية الفكرية بالنسبة اليهم هي حرب أهلية، والتنوع الحضاري تخريب المجتمع، والاختلاف في الرأي كقيمة من قيم الحرية، تصديع للتاريخ ولارادة الأمة (أي امة!).




اذاً يمكن ان نتكلم على الديموقراطية ما نشاء، والنظام يسمح بهذا الكلام بشرط ان يبقى في حدود البلاغة الفارغة والفصاحة الجوفاء كتعبير عن امتصاص اي ممارسة لها. اكثر: يمكن لبعض الفئات الناشئة او الراسخة من أهل الشمولية أو الأيديولوجيات الحزبية او الطائفية أو العنصرية الارهابية او تتسلق الديموقراطية لتضربها وتركبها لتعطلها في سياق اقامة نظام نقيض لها على انقاضها. هذا ما يحصل مع بعض الأنظمة والمنظمات العربية الدكتاتورية التي استغلت الديموقراطية الاستثنائية والتعددية الطائفية والفكرية والسياسية في لبنان، لتخترقها وتمزقها بقوة الشعارات والحروب والمذابح والاغتيالات والشرذمة والتقسيم بحيث تبدو الديموقراطية وكأنها سبب الحروب. وهذا ما حدث فعلاً اثناء حروب هذه الأنظمة العربية المتكافلة والمتضامنة (من تحت الطاولات ومن فوقها مع اسرائيل لتدمير لبنان). عندها راحت تبث في شعوبها: انظروا الى الديموقراطية ماذا تفعل؟ هل تريدون ان تحتذوا مثل لبنان، وتدمروا انفسكم وبلدانكم، اذاً دكتاتوريتنا هي الأمان والدعة والهدوء لكن بشرط الخضوع. فالخضوع ثمن سلامتكم وامنكم! ولا ننسى في المقابل، بعض التنظيمات الاصولية (الطالعة من مختبرات المخابرات الأميركية والاسرائيلية وانظمتها التي فسرت كل تبني أو ممارسة للديموقراطية هي خدمة للغرب أو للخارج.. وهي كفر وتكفير وتدنيس، لكي يتسنى لها بشعوذات الفية ان تلغي كل تفكير سياسي أو نقدي أو تحليلي أو عقلاني أو واقعي لدى شعوبها فتخدم بذلك العدو الاسرائيلي ومن وراءه وهي تمعن في شتمه وتهديده بالابادة: ووجود هؤلاء الفاشيين كاف لتعزيز وجود العدو الاسرائيلي الذي يرى في هؤلاء "أجمل هدية له من السماء"!

وكلامنا هذا لا هو بالتجريدي ولا هو بالنظري (فقط) بل عشناه في بلدنا لبنان على امتداد اربعة عقود من الدكتاتوريات العربية المقنعة أو السافرة، وعشناه عند غيرنا من أنظمة الطغاة الذين "حققوا" لأقطارهم ولشعوبهم من المآسي والهزائم والخراب والفقر والقمع والتهجير ما عجزت اسرائيل عن تحقيقه، في ظل الدكتاتورية الأحادية التي مارسها طغاتهم: ويكفي ان نرى الى هزيمة الـ 1976 وسائر الهزائم.. والحروب والمذابح، واعتماد تخريب بعض البلدان العربية خدمة للمحتل وادامة للاحتلال… بتحويل المعارك عربية ـ عربية أو لبنانية ـ لبنانية، او فلسطينية ـ فلسطينية، أو عراقية ـ عراقية! كل هذا لقاء ثمن بقاء انظمتهم الهشة. كل هذا لقاء دعم الغرب واسرائيل لأنظمتهم مقابل الخدمات الجلى التي يؤدونها لهم بتدمير كل ما هو قائم وراسخ وديموقراطي وحضاري واقتصادي وتحريري في العالم العربي!

هذا ما حاولوا ويحاولون فعله عندنا: ولكي يتمكنوا من الاستمرار في لعبتهم (الاسرائيلية المقنعة) يصوبون على اغلى ما في لبنان: هذه الديموقراطية النسبية. وهذا ما يفسر نزعاتهم الى التخريب والسلاح ليعدموا كل شرارة للديموقراطية، ويعطلوا كل ممارسة للحياة السياسية ويخربوا نتائج الانتخابات الماضية التي أفرزت أكثرية وأقلية! لعبة الأنظمة على شعوبها تمارسها الأنظمة الخارجية والأحزاب و"الزعامات" التابعة لها على أكثرية الشعب اللبناني وكأن لسان حالها يصرخ: لا لن تحكم الأكثرية. ولا أحد. واذا اعترفنا بالنتائج فلن يكون لها مفاعيل: انتصار معكوس لقاء هزيمة (لهم) معكوسة! واذا اصرت الأكثرية على "الحكم" حتى بالمشاركة مع الأقلية، فسيكون عندنا "حكومتنا" الكاملة في الشارع وفي الأزقة والأحياء والساحات والمناطق.. واذا فشل العبسي في الشمال فعندنا مئة عبسي! وبرافو!

السؤال الأخير: هل تريد ان تقول لنا هذه الأنظمة العربية والأعجمية وسواها ان الديموقراطية عندكم مجرد وهم: نتائجها وهم. وناسها وهم، وديموقراطيتها وهم؟
هل هناك استراتيجية تيئيس من الديموقراطية تمارس علينا؟ نعم! لكن يبدو ان هذه الاستراتيجية فشلت كما فشلت كل استراتيجيات هؤلاء! بفضل الناس، والناس تصنع الديموقراطيات الا الأنظمة على مقاساتها، والناس تنتخب نوابها.. وليس الأنظمة هي التي تنتخب!
بهذا المعنى نبشر هؤلاء: ما دامت اكثرية الجماهير مستنفرة بالديموقراطية.. فكل العواصف ستتحطم على صخورها!
فالناس ليسوا من ورق، يا أنظمة الورق!