الحكومة الأميركية عفوا اللبنانية! – عبد الرحمن الراشد – الشرق الاوسط

الجدل في لبنان يسد الآذان حول تعثر تشكيل الحكومة حتى يحسب الغريب أنها ستغير العالم في حين أن تشكيلها لا يغير كثيرا في لبنان نفسه. والحكومة اللبنانية، في أيام عزها، كانت تقدم خدمات قليلة في بلد نصف سكانه يعيش في الخارج والنصف الثاني يعيش على النصف الأول. الخلاف اليوم على تقليد الوزارات. عمليا، الوزير المقلد يملك القليل من الصلاحيات، وإن ملكها عنده القليل من الإمكانيات، وإذا كان محظوظا بالاثنتين فإن حظه في البقاء كوزير ليس طويلا. وزير الدفاع، على سبيل المثال، منصبه سيادي وسياسي استثنائي، لكنه في حقيقة الأمر ليس بأفضل من منصب مسؤول ميلشيات حزب الله، الأكثر عددا وتسلحا ونفوذا. إذن، والحال كذلك، ما سر التقاتل على المناصب في الحكومة اللبنانية وتحويلها إلى قضية أعظم من تشكيل الحكومة الفرنسية أو الأميركية؟

قبل أسابيع زفت أجهزة الأمن العراقية بشرى للشعب أنها قبضت على وزير نفط في دولة العراق الإسلامية. تساءلنا حينها هل هناك حكومة بهذا الاسم حتى يوجد فيها وزير نفط بهذا المنصب؟ الذي جرى أن قيادة المعارضة المسلحة في العراق قررت توزيع المناصب قبل أن تؤسس دولة. والسلطات العراقية الحقيقية أعلنت بفخر القبض عليه. كما أن المقبوض عليه يعتقد أنه وزير نفط لأن رئيسه قلده المنصب.




الذي أعنيه أن الفرد يمكن أن يصدق ما يشاء ولا يكون حقيقيا، أما الأكيد والحقيقي في لبنان أن هناك ما هو أكبر من الحكومة، الناس. هم الذين يصنعون البلد في حين أن المؤسسات الرسمية تلعب دورا محدودا منذ استقلال لبنان. أي بخلاف كثير من دول المنطقة، حيث تصنع الدولة البلد وتصوغه كما تشاء، أما لبنان فلا.

لا أريد أن أقول إن الدولة وهم في مخيلة اللاعبين إنما هناك صراع على أوهام.

لبنان من أقدم دول المنطقة المتطورة. فيه دستور منذ عام 1926 همش طويلا، وأجريت عليه الكثير من عمليات التجميل الجراحية، وحين الحاجة في الأزمات تستولد ملاحق جديدة مثل «الطائف».

في لبنان محاكم ومؤسسات قانونية محترفة، ومع ذلك فإن خلافات محدودة مثل قضايا الطلاق لا تعتمد إلا بعد كاهن أو شيخ، دع عنك قضية مثل محاكمة قتلة الحريري نقلت إلى هولندا. وفي لبنان برلمان عتيد، بمائة وثمانية وعشرين مقعدا. فيه حرية رائعة، إلا أن رئيس البرلمان، الذي يُفترض أن يدافع عنه، نفسه قام بإغلاقه بالمفتاح لنحو عامين.

في لبنان أيضا انتخابات حقيقية لولا أن الفائز يساوى بالخاسر، فهو عند تشكيل الحكومة يلزم بالزواج من الأقلية الخاسرة، في اختراع لا مثيل له في العالم اسمه الثلث المعطل، يستحيل عليه أن يتخذ أي قرار دون موافقة الخاسر.

بيت القصيد يقوله المنطق السليم، الفريق الفائز في الانتخابات من حقه أن يشكل الحكومة ويحكم الأربع السنوات. وعدم السماح بذلك فيه إلغاء لكل مقاصد العمل الانتخابي، وفيه انتقاص من النظام والدولة وجموع الناخبين.

بدون احترام للنتائج، واحترام لاختيار الشعب اللبناني، سيتجه لبنان نحو حكم مركب مؤقت آخر سيفضي إلى مزيد من النزاعات وكوارث أخرى. صحيح ليس في لبنان نظام رائع، لكنه مثل ثوب مرقع يقي من شر البرد، وعدم احترامه سيمزق ما تبقى منه.

والشاهد من التاريخ أن عدم احترام النظام هو الذي دمر لبنان. الحرب الأهلية أو النزاعات الطائفية ليست إلا مجرد نتائج أخيرة