الدوختان ! – راجح الخوري – النهار

لم تنته الانتخابات فصولا في لبنان!
يمكن القول الآن ان المعارضة التي صُعقت بالخسارة خرجت مصابة بدوخة. وان الاكثرية التي فوجئت بالربح خرجت هي ايضا مصابة بدوخة.
هناك فرق بين الدوختين طبعا. فالمعارضة مصابة بدوخة سلبية وتحاول الآن الخروج منها والتعويض عنها. والاكثرية مصابة بدوخة النشوة او سكرتها، وهي ربما تمضي الآن في "بعزقة" هذا الانتصار عبر الشراهة في توظيف نتائج الانتخابات، وهو ما يساعد بالتالي على ان تسلك طرقاً متناقضة، تعيدها ربما الى المراوحة داخل الدائرة المفرغة المعروفة، اي اكثرية معطَّلة امام مطالب المعارضة التعجيزية والحاجة الى وحدة كلمة حقيقية ومتجردة بين القوى التي تتشكل منها.

***
واضح تماما ان اللقاء الذي تم بين الرئيس بشار الاسد والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، اجرى قراءة حسابية سياسية وسيكولوجية مدققة لنتائج الانتخابات التي حسبت المعارضة حتى اللحظة الاخيرة انها ستفوز فيها. ومن المؤكد ان هذا اللقاء الذي تم من دون اعلان ودوي، وضع استراتيجية عمل جاد لقوى المعارضة خلال الفترة المقبلة تلحظ مجموعة من النقاط الحيوية والمهمة وهي:
* اولا: درس الاسباب العملية والموضوعية وخصوصا السلوكيات السياسية والتحالفات والخطاب الانتخابي عموما، وكل العوامل التي أدت الى الخسارة.
* ثانيا: وهو المهم، العمل وفق برنامج منهجي لتكون الخسارة منطلقا لتوحيد صف المعارضة وتصليب التعاون ووحدة الكلمة بين المعارضين، لا بل توسيع مروحة المعارضة وجعلها خماسية مثلا، عبر السعي الحثيث لاستجلاب النائب وليد جنبلاط اليها، والذي يرتفع عنده الآن كلام تصاعدي يوحي ابتعادا تدريجيا عن بعض حلفائه في 14 آذار!
* ثالثا: وهو الاهم. السعي الى اعادة فصول الاعوام الاربعة الماضية باسلوب او بآخر. والمقصود هنا شل الاكثرية ومنعها من ان يكون لها فعل الاكثرية وان لا تستطيع ان تحكم الا بما يظهر وكأنه نتيجة لتعاون الاقلية وارادتها وموافقتها سواء عبر "الثلث المعطل" في الحكومة او عبر اي صيغة اخرى تكفل لها بالضرورة القدرة على فرملة الحكومة ووقفها وتعطيل عمل الدولة عندما تجد ذلك مناسبا، لاسباب داخلية او حتى خارجية!
هذا البند الثالث يسعى الى وضع الرئيس المكلف سعد الحريري في مواجهة ثلاثة احتمالات مُرة هي:
اما ان يشكل حكومة من الاكثرية، وهو الذي نادى بحكومة لمّ الشمل الوطني.
 واما ان يقبل بصيغة حكومية تضمن للمعارضة حق الاعتراض والمصادقة على كل القرارات، وهذه ترجمة لـ"الثلث المعطل" الذي لن يقبل به، وكذلك الاكثرية.
واما ان يستولد الحكومة من الرحم السياسية السورية، وفي هذا الامر، كما يقول الكثيرون، اذعان شخصي مرفوض، اكثر مما فيه لياقات وديبلوماسيات، وخصوصا اذا صح ما نشر عن ان الحريري مدعو لزيارة دمشق قبل التشكيل، او ان الكتل النيابية اللبنانية مدعوة هي ايضا الى دمشق للاتفاق على التشكيل، بحيث نصبح بعد "اتفاق الطائف" و"اتفاق الدوحة" امام "اتفاق دمشق"، الذي لن يكون في وسع المعارضة عندها رفض محتواه والقول لا، او ان تضع العصي في الدواليب!
ويحار المرء احيانا عندما يقرأ على ألسن بعض المعارضين ما يسيء فعلا الى كرامة المعارضة، كالقول مثلا ان على الحريري ان يختار واحدا من اثنين: إما زيارة دمشق واما "الثلث المعطل".
وكأن كل ما قيل عن وجاهة الثلث المذكور يسقط بمجرد زيارة دمشق؟
وفي اي حال، اذا كانت المعارضة قد تمكنت بالسياسة وبالامن وبالعرقلة وبالحرائق وبالاعتصامات، من تعطيل حكم الاكثرية عام 2005، فليس غريبا ولا مستهجنا اذا عكفت الآن على التخطيط لواحد من اثنين: إما عودة الأقلية الى التعطيل، وإما "حكم" الأكثرية باشراف الأقلية!!




***
في المقابل ماذا تفعل الاكثرية وتجمع 14 آذار؟
انهما عمليا في اكثر من دوخة. دوخة الانتصار. ودوخة الاستيزار. ودوخة اللهو على اعادة رص الصفوف والتفاهم على قواعد الحكم والحكومة، عبر وضع خطة واحدة ومنهاج وطني موحد يستطيعان تقديم فترة من الحكم الهادئ والمنتج والمستقيم والطموح، والذي يقدم للبنانيين جزءا من احلامهم الكبيرة بخلاص بلدهم وبدء مسيرة الحياة الطبيعية فيه، وبترجمة الشعارات الاقتصادية والانمائية والانتاجية والثقافية والوطنية التي طالما رددها الرئيس المكلف خلال حملته الانتخابية.
وسط كل هذه التناقضات يواصل سعد الحريري مساعيه الحثيثة لانتشال السفينة الغارقة، او العالقة، عبر السعي لتشكيل حكومة تلم سواعد جميع اللبنانيين وتكون قادرة على العمل فعلا، لانها تملك برنامجا طموحا يعكس رغبات الجميع كما يريد ويتمنى.
انه يحاول بناء عمارة الحكومة العتيدة بالحجارة اللبنانية والهندسة الوطنية بعيدا من التقاطعات واحيانا التناقضات الخارجية، ولكن دائما على قاعدة ان "لبنان اولا"، وهذا لا يعني الانعزال بل يعني بالضرورة والتأكيد لبنان القوي والقادر، الذي يستطيع ان يكون سندا مساعدا لقضايا الامة العربية، لا ان يكون عالة لها وعليها. وطنا مقعدا ينتظر دائما رحمة اشقائه البخلاء جدا!!