بعض ثقافيّات السياسة اللبنانيّة – حازم صاغية – الحياة

حفل الأسبوعان اللبنانيّان الفائتان بمادّة دسمة يمكن وصفها، بقليل من المبالغة، بأنها ثقافيّة. فمن شعار «لبنان أوّلاً» الذي تبنّته لنفسها الكتلة النيابيّة الأكبر عدداً إلى طرح موضوعات التوطين والانعزاليّة وحرب السنتين، عاد الماضي يلقي بظلّه الثقيل على الحاضر والمستقبل. والحال أن الماضي لم يكفّ عن فعله هذا، إلا أنّه، في ذينك الأسبوعين، نفّد مهمّته بوضوح ومباشرة لا تعوزهما الفظاظة.

وليس اتّهاماً مجانيّاً أن يقال إن المحرّك الأوّل لتدهور السجال على النحو هذا هو الجنرال ميشال عون، من دون تبرئة الآخرين من الاستعدادات الخصبة للانحطاط والتدهور. فهو يرسم الهدف اللبنانيّ، بل اللبنانويّ، الذي يعبق بالروائح العفنة، تاركاً للآخرين التنافس على أرضه الواطئة.




هكذا تراجع حزب الكتائب عن المناخ الذي ساد حواره مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة لينخرط بحماسة في جوقة التخويف من التوطين والافتخار بـ «ماضينا»، وفي عداده حروب المخيّمات أواخر حرب السنتين. وهي حروب لا تشرّف الذين خاضوها بعقليّة محاصري المدن في القرون الوسطى بقدر ما لا تشرّف الذين حوّلوا المخيّمات ثكناً حربيّة لـ «تحرير فلسطين انطلاقاً من لبنان». وكان المأمول، في الحالات جميعاً، أن نصل الى يوم نميّز فيه بين ما هو «وراءنا» وما هو «أمامنا»، غير أن اختلاط الأزمنة يخلط الوراء بالأمام، فلا يعود لنا هذا ولا ذاك.

بيد أن المسؤوليّة لا تقع كلّها على ميشال عون والأجواء التي لا يتوقّف عن إثارتها. فأبعد من ذلك المناخ الإجماليّ الذي تنتعش فيه العونيّة وما شابهها من ظاهرات. ذاك أن أحداً حتّى اليوم لم يراجع مسؤوليّته عن انهيار التجربة اللبنانيّة ابتداء بـ1975وصولاً الى المصاعب التي ما زالت واقفة في طريق الاستقلال الفعليّ لهذا البلد. يضاعف السوء أن تهمة «الانعزاليّة» لا تزال رائجة كما كانت في 1975 يستخدمها من يشاء، علماً بأن معظم مستخدميها ضالعون في الانعزال، الثقافيّ والنفسيّ قبل السياسيّ، يوالون التخويف من تحوّلات ديموغرافيّة وتمدّدات جغرافيّة تجاورهم. وواقع الأمر أن اللبنانيّين كلّهم، وإن بتفاوت، انعزاليّون، عالمهم يمتدّ ما امتدّت طوائفهم ومناطقهم. وهذا ما يسبق في ضرورة معالجته أيّة انعزاليّة أخرى عن الجوار العربيّ… الانعزاليّ هو الآخر. لكن الاستخدام المفرط لهذا المصطلح واستهدافه الثابت للمسيحيّين دون سواهم لا يفعل غير استنطاق أسوأ ما في نفوس المسيحيّين وإضافة عراقيل جديدة الى طريق التقارب الوطنيّ وإضعاف احتمالاته وهي أصلاً ضعيفة. وهذا من غير أن ننسى ما فعلته سنوات التهميش، في عهد الوصاية السوريّة، من شعور مسيحيّ نهضت العونيّة على قاعدته وازدهرت.

ولمّا كان اغتيال الرئيس الحريري قد ولّد ما يسمّيه البعض «حالة مارونيّة» في الطائفة السنيّة، بات مفهوماً شعار «لبنان أوّلاً». فهذه الـ «أوّلاً» التي كنّا سمعناها من قبل في الأردن وبلدان أخرى، لا تخفي مذاقاً شوفينيّاً غير مستحبّ. مع ذلك، وأخذاً لتوازنات قوى البلدان وأوضاعها بعين الاعتبار، تغدو هذه اللفظيّة المنتفخة تعويض قوّة عن ضعف الواقع. فالبلدان القلقة على مستقبلها كبلدان هي التي تتزمّت في توكيد هذه الـ «أوّلاً»، وهي غالباً عاجزة عن إحلالها في الواقع الفعليّ. ولبنان، بالمناسبة، هو الذي تتعرّض سيادته للانتهاك بعدما تعرّضت قياداته للاغتيال، فيما دولته تستأذن دولة «حزب الله» القويّة والمنيعة المسنودة الى دول أقوى وأمنع