المعارضة لا تؤيّد إعارة رئيس الجمهوريّة الثلث الزائد واحداً – نقولا ناصيف – الأخبار

ينقضي اليوم أسبوع على تكليف رئيس الغالبية النائب سعد الحريري تأليف الحكومة، من غير أن يطرأ تقدّم ملموس عليها. ولا توحي سلسلة المواقف المتناقضة التي يعبّر عنها طرفا التفاوض المحلّي أنهما قريبان من الاتفاق حول حكومة وحدة وطنية، وقبل أن يخوضا في تفاصيل الحصص والحقائب. وعلى غرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي أبصرت النور تحت وطأة تدخّلات خارجية حاسمة، كان قد برّرها وقع الانقلاب الذي ضرب لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تبدو حكومة الحريري الابن تحت اختبار تثبيت حقيقة جديدة، يتعيّن أن يعتادها اللبنانيون من الآن فصاعداً. وهي أن الخارج الذي يختار رئيس جمهوريتهم، سيختار لهم أيضاً رئيس حكومتهم وحكومتهم من خلال صراع النفوذ على أراضيه.

لم تكن تسمية مجلس النواب ميقاتي لرئاسة الحكومة بـ57 صوتاً، إلا ترجمة لاتفاق السعودية وسوريا على اختياره لمرحلة انتقالية تمهّد لانتخابات نيابية انتهت بوضع الحكم في يد الغالبية المناوئة لسوريا بعدما أخرجت هذه جيشها من لبنان. ثم أتت تسمية الرئيس فؤاد السنيورة لرئاسة حكومة ما بعد الانتخابات بـ126 صوتاً، في ما يشبه الإجماع، أكثر تعبيراً عن تدخّل خارجي جرّد دمشق من التأثير في اللعبة الداخلية، ووضع هذه بين أيدي الرياض وواشنطن وباريس. بيد أن الأصوات الـ68 التي أعادت السنيورة على رأس حكومته الثانية مثّلت بدورها النمط نفسه لعدم ملاءمة حجم التدخّل الخارجي في تقرير مسار الحكومة الجديدة والأصوات التي حازها، وخاصة أن الحريري كان يرغب يومذاك في ترؤسه هو حكومة ما بعد اتفاق الدوحة، سرعان ما تقاسم والسنيورة الأدوار: عُهد إلى رئيس الحكومة في إمرار مرحلة الانتخابات وتثبيت الاستقرار، وإلى رئيس الغالبية التحضير للفوز مجدّداً بها.




هكذا، سُمّي الحريري رئيساً للحكومة بـ86 صوتاً، وقعت في منزلة وسطى بين الأصوات التي حازها ميقاتي والسنيورة، من غير أن ينظر إلى مهمته المقبلة، على أن الظروف الاستثنائية هي التي قادته، كسلفيه، إلى هذا المنصب. اختير ميقاتي في ذروة الاشتباك السعودي ـــــ السوري، والسنيورة للمرة الأولى في ذروة حصار نظام الرئيس بشار الأسد، وللمرة الثانية بعدما استعين بدمشق لإقرار تسوية تعيد الاستقرار إلى لبنان.
إلا أن الحريري يخطو في طريق شاقة بعدما أعاد الحوار السعودي ـــــ السوري حول لبنان الاعتبار إلى دور دمشق كمؤثر إيجابي في تسهيل الاستحقاقات الدستورية وترسيخ الاستقرار. لكن ذلك يضعه في مواجهة أكثر من سبب للاصطدام بعراقيل محلية في ظاهرها، وعربية في باطنها، ينتظر أن يستغرق تذليلها وقتاً غير قصير. احتاج السنيورة إلى 28يوماً لتأليف حكومته الأولى، و47 يوماً لتأليف ثانيتها
.
أولى تلك العراقيل أن قوى 8 آذار، سلّمت كمعارضة بخسارتها الانتخابات، لكنّ قادتها يعتبرون أنهم ربحوها كمعارضين. لم تتشتّت قواهم، وخرجت منها كتل قوية مثّلها الثنائي الشيعي الرئيس نبيبه برّي وحزب الله، والثنائي الماروني الرئيس ميشال عون والنائب سليمان فرنجية. تالياً، فإن إصرارها على حصة متكافئة في حكومة الوحدة الوطنية، يوازيها إصرارها على المشاركة كفريق واحد أو العزوف كفريق واحد. ويبدو عون الأكثر تمسكاً بهذا الخيار.

ثانيتها، أن المعارضة تدرك أن تمسّكها بالثلث الزائد واحداً رفع سعر إصرارها على امتلاك هذا الفيتو، إلى حدّ تخلّي الغالبية عن النصف الزائد واحداً في الحكومة الجديدة. وهو مؤشر إلى تنازلها عن الحصة التي حدّدها لها اتفاق الدوحة عندما وزّع توازن القوى في السلطة الإجرائية وفق نتائج انتخابات 2005، وهي نفسها تقريباً نتائج انتخابات 2009، لكن من غير الإفساح أمام قوى 14 آذار لاستثمار فوزها في الانتخابات النيابية. بل يذهب أقطاب معارضون إلى القول إن المشكلة تكمن في استمرار انعدام الثقة بين الفريقين. وما دام الموالون قد سلّموا بالثلث الزائد واحداً للفريق الآخر ويطمئنون إلى وضعه في عهدة رئيس الجمهورية، فحرّي إعطاؤه إلى الطرف الذي يطالب به.

ثالثتها، أن المعارضة تعدّ نفسها ضامنة مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية، ومن خلال الثلث الزائد واحداً الذي يمثّل هذه المشاركة. إلا أنها لا تقارب هذا النصاب باعتباره الضمان الذي تطلبه لسلاح حزب الله، ولا تجد في المواقف المعلنة للموالاة عن سحب هذا السلاح من التداول ما يُشعرها أيضاً بجدّية هذا الضمان. بل راح الموقف المعلن لمعظم قادة المعارضة يتركز على أن الضامن الفعلي لسلاح حزب الله هو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتياهو وسلسلة تصريحاته المناوئة للبنان والتسوية السلمية، يطلقها في تهديد مباشر للبنان. تحمل هذه الذريعة أقطاب المعارضة على إخراج سلاح المقاومة من دائرة الخلاف السياسي الداخلي لتحميله بعداً إقليمياً مهماً. خطاب أقطاب المعارضة جعل السلاح ذا مهمة مزدوجة: أن يكون إحدى أدوات التفاوض، وفي الوقت نفسه إحدى وسائل مواجهة عدوان إسرائيلي على لبنان.

بذلك يصبح الثلث الزائد واحداً عقبة غير قابلة للتذليل، يقرنها الأقطاب المعارضون بالقول أيضاً إن وضعه لدى الرئيس ميشال سليمان يصبح أقرب إلى الإعارة منه إلى منح الرئيس سلطة أو صلاحية يستمد منها قوة في الاضطلاع بدور متوازن بين الطرفين