فينا انطوى العالم الأكبر – الفضل شلق – السفير

«وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر»

يعتبر اللبنانيون وطنهم عالماً صغيراً كبيراً، صغيراً بحجمه الجغرافي، كبيراً بما يمثل من تعددية ثقافية ودينية. يعطيهم الاغتراب الحق في مختلف بلاد العالم، أما حدودهم المفتوحة فهي تعطي أياً كان وكل دولة في العالم الحق بالتدخل في لبنان. الحدود المفتوحة ليست الحدود الجغرافية وحسب، بل هي أيضاً، الحدود النفسية والأخلاقية والاقتصادية.




منذ سنواتٍ رفعنا شعار «الأجواء المفتوحة» للطيران. منذ بداية عهد الاستقلال جعلنا «الحدود المالية» مفتوحة، إذ لا قيود على التحويلات من وإلى لبنان. يحدنا من الغرب البحر المتوسط، وهو بحر مفتوح. يحدنا من الشرق والشمال سوريا، والحدود معها شبه مغلقة، وذلك يعود للأسباب نفسها التي جعلت من لبنان بلداً مفتوحاً على العالم. نختلف عن بقية البلدان العربية في أنه ليس لدينا حكومة تضع الحدود والقيود على ما نفكر وعلى ما نشعر وعلى ما نفعل. نزهو بذلك، ونعتبر أنفسنا متميزين.

هذا هو لبنان الذي لن يصير لبنانياً، لبنان الذي لن يتعوّد أن يصير وطناً لأبنائه. في حوض هذا البحر المتوسط الجميل، هناك تنوع من قرية إلى قرية، ومن قمة إلى قمة، ومن ساحل إلى جبل، ومن جبل إلى مرج، ومن زراعة إلى صحراء، ومن صحراء إلى زراعة. وهناك بين جميع المناطق الجغرافية في المتوسط: تواصل ديني واقتصادي وسياسي. في جميع بلدان المتوسط الأخرى تلعب الدولة على التنوع؛ أما في لبنان فإن تواصل المكوّنات مع العالم الخارجي يغلب على الدولة.
نعيش في عالم أكبر تغلب علينا. تعوّدنا التواصل كي نستطيع تجاوز عاديات المناخ المتقلب والجغرافيا القاسية وعبء التاريخ. فينا انطوى العالم الأكبر، لكنه حل مكاننا. صار الخارج كل شيء في حياتنا السياسية، وصرنا أدوات في بلادنا. فينا انطوى العالم الأكبر، لكن على حساب الوطن والمجتمع والإرادة الحرة.
حسبنا الانتخابات النيابية عملية ديمقراطية، تحمل إلى السلطة من اختاره الشعب، فإذا بنا نحتاج إلى العالم الأكبر من أجل تشكيل الحكومة. رفع بعضنا شعارات الحرية والاستقلال والسيادة منذ بضع سنوات، فإذا بنا نكتشف بعد الانتخابات الديمقراطية أننا نحتاج إلى وصاية من نوع آخر.
تتكرر خرافة «قوة لبنان في ضعفه» التي صاغها في الخمسينات عباقرة السياسة اللبنانية، فإذا بنا نحتاج إلى زيارة قائد المنطقة الوسطى الجنرال بترايوس لإعادة الثقة إلينا. هنأنا بالانتخابات الديمقراطية، طلب منا الإسراع في تشكيل الحكومة، زوّدنا ببعض الشاحنات العسكرية. لكننا لا نعرف إذا كان هذا الأمر وحده يستحق كل هذا العناء ممن تشغله أكثر من حربين في المنطقة. لا نعرف حقيقة الهدف من الزيارة، إلا إذا كان هناك ما هو أهم. أما كان يمكن لسفير أو سفيرة إبلاغ المطلوب للمسؤولين عنا؟
كنا بحاجة إلى العالم الأكبر من أجل تسوية الطائف، ومن أجل تسويات أخرى، بينها تفاهم نيسان 1996، ومن أجل اتفاق الدوحة. ونحتاج الآن إلى العالم الأكبر من أجل تسوية ينتج عنها حكومة ويتحقق بها أمن العاصمة.

العالم الأكبر كامن فينا. ودائع مصرفية تتجاوز الماية مليار دولار. نزهو بها. دين عام يتجاوز الخمسين مليار دولار؛ لا ندري ماذا نفعل لمعالجته. ننتظر معجزة اكتشاف النفط والغاز، أو خرافة ثمن التوطين؛ ننتظر أن يحدث ما لا نستطيع القيام به. ننتظر هبوط تقدمة من خارج الطبيعة، ونحن نعرف أن الطبيعة من صنع أيدينا وأيدي أسلافنا منذ ما قبل الفينيقيين حتى الآن. هل هناك جبل أو وادٍ أو نبع ما، أو مجرى نهر إلا وتغير بفعل الأجيال المتعاقبة؟ ما حسبناه ثروة مصرفية، متشكلة من الودائع المصرفية الوافدة، لا يقل مصيره قلقاً عن الزراعة البعلية السائدة في لبنان منذ فجر التاريخ والتي تخضع لتقلبات الطقس السنوية، والمتغيرة تغيراً حاداً كل عام. استبدلنا الثروة الطبيعية بالثروة المالية، فإذا القلق يزداد، وإذا بنا نستهلك مزيداً من الأدوية المهدئة للأعصاب، وإذا بنا نزداد اعتماداً على العالم الأكبر، ونزداد خضوعاً لغير إرادتنا.
التقلبات كثيرة ومتتالية، والتنوع كبير، والثابت الأكيد في لبنان هو انعدام السياسة. يقال أحياناً انعدام الإرادة السياسية، والقول ملتبس، إذ السياسة ليست شيئاً غير الإرادة، والإرادة ليست غير السياسة. والسياسة هي إرادة التسوية، هي البحث الدائم عن المشترك بين البشر ضمن الدولة، ضمن الحدود الجغرافية للدولة.

انطوى فينا العالم الأكبر لأننا نتجاهل هذا الجرم الصغير، هذا الوطن الذي يبقى فرضية ما دام أبناؤه لا يقررون ما يجري فيه. أبناؤه لا يقررون مصيرهم، ليس لأن العالم الخارجي يتدخل في شؤونهم، بل لأنهم راضون عن انتظامهم في طوائف تحاول كل منها إلغاء الأخرى. هذا الرضى هو جوهر التدخل الخارجي، هو جوهر انطواء العالم الأكبر فينا، هو جوهر عالمنا الصغير الذي يلغي ذاته، ألا يستحق الأمر أن نخجل مما نزهو به؟