بيروت مدينة مفتوحة منزوعة السلاح ؟ – علي حماده – النهار

غداة تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة، كانت لبيروت تجربة جديدة ومتجددة مع السلاح الميليشيوي. بسرعة مريبة خرج مسلحون  بالعشرات معظمهم مقنع  في شوارع المدينة وأزقتها وكانت اشتباكات مع الاهالي، وكذلك ضحايا بينهم ام الاطفال الخمسة التي قضت على شرفة منزلها برصاص قناص على ما قال بعض الانباء. قيل ايضا ان مسلحين اتوا من خارج المنطقة لا سيما من الشياح، وكان انتشار منهجي سريع بدا للعالمين انه لم يكن وليد ساعته، بل اتى منظما على عكس الاشكالات العفوية  التي كانت تحدث بين الفينة والاخرى في الاحياء البيروتية التي تتداخل فيها القوى السياسية والبيئات المذهبية المختلفة.
قيل اكثر من ذلك: ان الرئيس نبيه بري رئيس حركة "امل" التي كانت تنتشر ميليشيويا لم ير ضرورة للاتصال بالرئيس الحريري للتعجيل في وقف الاشتباكات، حتى اتصل به الحريري طالبا منه وضع حد لما يحصل، فرد بري انه يعمل لذلك بكل ما اوتي من طاقة!

ونزل الجيش ليوقف دورة العنف لهذه المرة. ولكن ماذا عن المرات المقبلة؟
قتلت مواطنة بريئة ام لخمسة اطفال في خضم عملية تبادل للرسائل، وبقيت قضية امن العاصمة معلقة مرة جديدة عند النقطة التي انتهت اليها في السابع من ايار 2008 اي عندما قام "حزب الله" وحلفاؤه باحتلال بيروت. ومع ان الجيش عاد وانتشر في اطار خطة امنية، ودخلنا مرحلة "اتفاق الدوحة" فإن شيئا لم يتغير على الارض. بقي الاحتلال احتلالا، وسكت الجميع على هذا الواقع مفضلين دفن الرؤوس في الرمال.
قلناها مرات ومرات بعد 7 ايار، وبعد انتخاب الرئيس ميشال سليمان، وبعد تشكيل حكومة اتفاق الدوحة، ان بيروت مدينة محتلة يعيش اهلها تحت رحمة "حزب الله" وحركة "امل" والحزب القومي، في حين ان الشرعية المتمثلة بالجيش اللبناني والمؤسسات الامنية الرسمية لا تمارس سوى سلطة صورية سطحية لا يشعر بها الا المواطن المسالم العادي.




بقي السلاح منتشرا، وازداد شعور الميليشيات المسلحة بالقوة والمنعة، كما ازداد شعور المواطنين ابناء بيروت المسالمين بالانكشاف الامني، من دون ان تَفيَهم حاجتهم الى الطمأنة نظرية "الامن بالسياسة". ومع ان الانتخابات مرت بسلام من جراء اتفاق اقليمي فقد عادت مسألة امن العاصمة الى الواجهة مع حوادث ليل الاحد الفائت، وبدا للجميع ان العاصمة المحتلة لا يمكنها ان تستمر بهذه الحال.
انها قضية مركزية: عاصمة لبنان، وعاصمة اللبنانيين تحت رحمة الميليشيات. فكيف يكون الحل؟ ان استمرار الوضع على ما هو غير مقبول، لا بل انه مرفوض. وإذا كان الرئيس نبيه بري "المفجوع" بالضحايا يمكنه العيش في العاصمة محاطا بسراياه الميليشيوية، فإن بقاء العاصمة في هذا الوضع معناه ابقاء عناصر المشكلة كاملة. والرئيس بري المحق عندما يتحدث عن بيروت عاصمة جميع اللبنانيين مدعو الى التفكير في مآل هذا الوضع الذي لن يولد سوى مزيد من الاحقاد بين ابناء البيئات المتداخلة، وسيبقى على الدوام بؤرة تفجير يستغلها كل من يريد لهذه البلاد شرا.
طبعا ليس القرار بيد بري، بل هو بيد "حزب الله" القائد الفعلي للثنائي وحلفائه، فضلا عن سوريا من جهة وايران التي تنظر بعين الرضا الى وجود ذراعها الطويلة في قلب عاصمة لبنان. لكن هذا الامر لا ينفي ان للبنانيين قرارهم ايضا. والسؤال: ماذا يجني "حزب الله" وبري من ابقاء نار الفتنة مشتعلة؟

ان المطلوب من الرئيس المكلف ونائب بيروت  سعد الحريري البحث جديا في موضوع تحويل عاصمة لبنان مدينة مفتوحة منزوعة السلاح، هذا اضعف الايمان. والمطلوب من الرئيس ميشال سليمان بصفته قائدا سابقا للجيش ألا يكتفي ببقاء المؤسسة العسكرية مجرد غطاء شرعي لاحتلال ميليشيوي مقنع لكنه فعلي، كان ولا يزال قائما منذ السابع من ايار.