مهمة سعد الحريري – رندة تقي الدين – الحياة

كثيراً ما كنا نسمع عن سعد الحريري أنه وريث والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولكنه ليس مثل ابيه. فهو شاب (39 سنة) ولد ثرياً وورث دوراً لم يكن مستعداً للقيام به. واليوم وسعد الحريري أصبح رئيساً للحكومة اللبنانية بعد انتصار كبير في الانتخابات، بالإمكان القول إنه أظهر لمن يقول ذلك أنه انتصر في الانتخابات اللبنانية بفضل عمله وماكينة انتخابية تمكنت من هذا النجاح. فالمعركة الانتخابية لم تأت له بالوراثة بل كانت معركته عبر مسار ديموقراطي اعترف الكل به بمن فيهم المعارضة الخاسرة في لبنان. فاليوم كسب سعد الحريري فعلياً الزعامة السياسية في لبنان وبإمكانه بخبرته الشخصية والناشئة على الصعيد السياسي أن يسير على خطوات والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. والصعوبات والعراقيل ضخمة أمامه. لكن لسعد الحريري إرثاً من شخصية والده هو التفاؤل الدائم والرهان على تجاوز المطبات حتى في أحلك الظروف كما كانت في 7 أيار اليوم المشؤوم عندما اجتاح «حزب الله» مدينة بيروت.

فسعد الحريري يتسلم رئاسة الحكومة في ظروف تختلف عن التي سادت في عهد والده. إذ أنه والرئيس اللبناني ميشال سليمان على علاقة ثقة واحترام مبنية على تعلق الرئيسين باستقلال لبنان وسيادته وحريته في حين أن العلاقة بين الرئيس السابق اميل لحود ورفيق الحريري كانت مختلفة تماماً لأن الأول كان حليف دمشق في لبنان والحريري الأب كان باستمرار على خلاف عميق معه. وهو اليوم يبحث عن تأليف حكومة وحدة وطنية تريد فعلاً بناء دولة وإخراج البلد من المأزق الاقتصادي والاجتماعي وأمامه طريق مليء بالمطبات مع معارضة نافذة تنتظر تفشيله. والتطورات في إيران وتثبيت نظام أحمدي نجاد بالتزوير، اضافة الى سياسة اسرائيلية رافضة لأي تنازل لتسهيل المسار السلمي مع الفلسطينيين ومع سورية، كل ذلك سيعزز نفوذ «حزب الله» وحلفاء سورية على الصعيد المحلي على رغم انتخابات لبنانية أظهرت للعالم أن الأكثرية اختارت الاعتدال والانفتاح والديموقراطية ورفضت التحالف مع منطق الديكتاتوريات والحزب الواحد.




لا شك في أن مهمة الحريري بالغة الصعوبة. ولكنه بطبيعته متفائل. ولديه صداقات عربية ورثها من والده في طليعتها بلده الثاني السعودية ومصر والإمارات العربية وأيضاً قطر التي ساهمت في الحل عندما تعطلت الأمور في لبنان. وما لا يعرفه الكثيرون أن لسعد الحريري في العراق روابط عائلية كون والدته عراقية ولديه علاقات مع عدد كبير من القيادات العراقية وهو يتابع عن قرب التطورات في هذا البلد الذي يعرفه.

وعلى الصعيد الدولي لديه دعم من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، وقد تم استقباله في هذه الدول من أعلى القيادات وكان رئيساً لتيار المستقبل. ولا شك في أن هذه العلاقات ستساعده على تجاوز المطبات إذا تبلورت المصالحة العربية فعلياً فلبنان سيستفيد من ذلك بشكل كبير. وهو اليوم يبحث عن تأليف حكومة وحدة وطنية تريد بناء دولة وإخراج البلد من المأزق الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي. ولا شك أن المساندة العربية له ستكون أساسية كما أن المساندة الدولية ستساعده بشكل كبير. فالدول الكبرى كلها عازمة على مساعدة لبنان وحكومة الحريري.

والحريري يريد تقوية الجيش اللبناني وهو مؤمن باقتصاد ليبرالي منفتح على العالم ويريد استكمال مسيرة والده في جعل لبنان مركزاً اقتصادياً أساسياً في الشرق الأوسط وجلب الاستثمارات وابعاده عن الحروب والخراب، ولكن الحريري يريد إشراك المعارضين لأنه عازم على تجاوز المطبات والعراقيل. والسؤال المطروح اليوم هل تتبلور فعلاً المصالحة العربية وهل تلتزم سورية بوعودها الى السعودية لترك لبنان يعيش حراً من دون تعطيل وعراقيل، وهل يكف الحليف الايراني عن استخدام ورقة «حزب الله» في مواجهته مع الغرب؟ كل هذه الأسئلة المطروحة كانت أيضاً مطروحة خلال الانتخابات وتمكن الحريري وحلفاؤه من الانتصار. وقد يتمكَّن مجدداً عبر شراكة مع الرئيس سليمان، ومن يريد فعلاً الخير لبلده، من أن يشكل حكومة وحدة وطنية للبدء بورشة عمل ملحة للبنان.

فإرث سعد الحريري كنز تركه والده لأبنائه وللبنان والأمل كبير في أن يكمل رئيس الحكومة اللبناني الشاب مسيرة إعمار البلد كما ارادها والده الشهيد الذي دفع بدمه من أجل استقلاله. فلا يمكن الا التمني له بالتوفيق والتمني ايضاً أن يحميه الله من يد الغدر التي قتلت شهداء لبنان