١٤ آذار تعود إلى صيغة الوزير الملك – نقولا ناصيف – الأخبار

معطيان مثيران للاهتمام دخلا على خط الاتصالات المتعدّدة الطرف، الدائرة في لبنان ومن حوله حيال حكومة الرئيس سعد الحريري، والإطار الذي سينظّم من خلالها العلاقات اللبنانية ـــــ السورية في المرحلة المقبلة. ويعبّر هذان المعطيان أيضاً عن تأثر العلاقات الأميركية ـــــ السورية والسعودية ـــــ السورية بمجمل هذه الاتصالات.

أولهما، تعيين القائمة بأعمال السفارة الأميركية في دمشق مورا كونولي في منصب نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى خلفاً لدافيد هايل، الذي شغل هذا المنصب في الأشهر المنصرمة. وكانت كونولي قد ترأست بعثة بلادها في دمشق بعد استدعاء السفيرة مرغريت سكوبي في 15 شباط 2005، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتوجيه الرئيس السابق جورج بوش اتهامات مبطّنة إلى سوريا وتحميلها مسؤولية الجريمة. وفي ظلّ انقطاع الحوار الأميركي ـــــ السوري، أدارت كونولي المصالح الأميركية في سوريا، وأبقت خيوط الاتصال بين الدولتين بحدّ أدنى، إلى أن باشرت واشنطن مع الرئيس باراك أوباما انفتاحاً على دمشق منذ كانون الثاني الماضي. ويكتسب هذا التعيين أهميته من كون كونولي، الملمّة بملف العلاقات الأميركية ـــــ السورية، ستكون نائبة السفير جيفري فيلتمان في الخارجية الأميركية، وهو الملمّ الآخر بملف العلاقات الأميركية ـــــ اللبنانية، والكثير التعاطف مع قوى 14 آذار منذ وجوده سفيراً في بيروت، وكان قد حلّ في هذا المنصب في أيلول 2004 واستمر فيه حتى كانون الثاني ٢٠٠٧.




بذلك تعبّر ازدواجية الاحتراف التي يمثّلها الديبلوماسيان الأميركيان في وزارة الخارجية عن التعاطي الجدّي والإيجابي الذي تقارب به الإدارة علاقاتها بلبنان وسوريا، بوضع ملفاتهما بين يدي كلّ من فيلتمان وكونولي، وسعياً إلى جمع المعلومات وتحليلها وتقويم المواقف بما يشير، ـــــ والكلام لمصادر ديبلوماسية رفيعة ـــــ إلى نظرة جديدة متوازنة حيال علاقة واشنطن بكل من البلدين الجارين، والأخذ بمصالحها في كل منهما، والحؤول دون تناقضها. وكانت سلسلة زيارات مسؤولين أميركيين كبار ونواب وشيوخ لسوريا ولبنان، في مواعيد مشتركة أو متباعدة خلال الأشهر الستة الماضية، قد عكست الاهتمام المتزايد باستعادة العلاقات الأميركية ـــــ السورية تبعاً لقواعد جديدة، ينتظر تتويجه بتسمية واشنطن سفيراً جديداً لها في دمشق قريباً.

ثانيهما، كشف معلومات عن لقاء غير معلن عقد الأسبوع الفائت بين الرئيس السوري بشار الأسد وموفد العاهل السعودي الملك عبد الله ابنه الأمير عبد العزيز، بالتزامن مع اجتماع آخر غير معلن بين وزير الخارجية السوري وليد المعلم ووزير الإعلام والثقافة عبد العزيز خوجة. وكان هذان اللقاءان، إلى ثالث عقده الأمير عبد العزيز مع مسؤولين سوريين، قد تناولا عروضاً متبادلة توقفت عند حدود ما أبلغته دمشق إلى الرياض، رداً على أربعة مطالب نقلها الموفد السعودي الخاص الذي زار دمشق مجدّداً الاثنين الماضي (29 حزيران)، واجتمع للمرة الثانية بالرئيس السوري.
ووفق المصادر الديبلوماسية الرفيعة، فإن التكتم عن الاجتماع الأول بين الأسد وعبد العزيز قد أوحى بتعثّر اتفاقهما حول مقاربة مشتركة للوضع اللبناني في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية، وعلى نحو أخصّ بازاء الجهود التي يبذلها الرئيس المكلف لتأليف الحكومة الجديدة. الأمر الذي حمل الأمير عبد العزيز على نقل أجوبة إضافية أبلغها إلى الأسد يوم الاثنين، قبل أن تفصح دمشق للمرة الأولى عن الاجتماع الثاني بين الرجلين. وكان هذا الإعلان مؤشر تقدّم مزدوج، بتذليله بعض العقبات من طريق التفاهم السعودي ـــــ السوري، وبإصرار الملك عبد الله على الحوار مع الأسد وعدم غلق الأبواب من خلال ابنه مستشاره وموفده الخاص، فأوفده إلى دمشق مرتين على التوالي في أقل من أسبوع.

إلى مَ يؤول ذلك؟
تبعاً للمصادر الديبلوماسية الرفيعة الكثيرة التتبّع للوضع اللبناني، فإن تطوراً إيجابياً يطرأ على موقفي دمشق والرياض من تأليف حكومة الحريري ـــــ وهو مؤشر إضافي إلى نفوذهما الواسع في المعادلة الداخلية على وفرة تناقض مواقفهما من ذلك ـــــ من شأنه الإفساح أمام استعادة تجربة «الوزير الملك» لثلاثة أسباب على الأقل:
ـــــ ان الثلث الزائد واحداً هو العقبة الفعلية أمام تأليف الحكومة، سواء بسبب إصرار المعارضة عليه، أو رفض الرئيس المكلف ومن ورائه الموالاة إعطاءه لها.
ـــــ لا يمثّل تمسّك قوى 14 آذار بالأكثرية المطلقة في مقاعد الحكومة الجديدة عقبة جدّية إلا بمقدار اقترانها بالثلث الزائد واحداً يُعطى للفريق الآخر. وإذ تبرّر لنفسها النصاب الأول ما دامت قد ربحت الانتخابات، تنكر على المعارضة حقها في النصاب الثاني كونه يعطل استثمارها فوزها هذا كغالبية نيابية. تالياً فإن مخرجاً محتملاً للثلث الزائد واحداً لا يضعف الموالاة، ولا يوحي بانتصار المعارضة، يمكّن الطرفين من المشاركة في حكومة وحدة وطنية بنسب تمثيلية متفاوتة لا ترجّح كفة على أخرى، إلا أنها توفر للمعارضين الضمانات التي يطلبونها لحماية مشاركتهم هذه في السلطة الإجرائية وخيارات الحكم وقراراته.
ـــــ ان وضع «الوزير الملك» وديعة لدى رئيس الجمهورية يمثّل حلاً منطقياً انطلاقاً من معايير ثلاثة تُحدّد طريقة توزيره: تسمّيه المعارضة، ويقبل به الرئيس ميشال سليمان، وتوافق عليه الموالاة