//Put this in the section //Vbout Automation

ماذا بعد الإنتخابات – الدكتور مصطفى علوش







رأيت أقل الناس عقلاً إذا انتشى

                                                أقلهم عقلاً إذا كان صاحياً

تزيـد حمياهـا السفيــه سفاهــة

                                                وتترك أخلاق الكريم كما هي

من مساوئ الإنتصار بأنه في معظم الحالات يظن فيه المنتصر أنه آخر المطاف وآخر الأزمنة، فيتصرف على أساس أن لا غد لهذا اليوم الذي يفترضه دائما إلى الأبد. وقد يستبد الغرور به لدرجة تنعدم معها كل أبعاد الرؤيا المنطقية والمتوازنة القادرة على تثمير الإنتصار في معطيات تؤسس لديمومة مفاعيله، أو على الاقل لإنتاج أوضاع تسمح باستقرار لأطول مدة من الزمن لنتائج الإنتصار. شهدنا في التاريخ الكثير من الأمثال التي دفع فيها عمى الإنتصار إلى حملات الإنتقام والتشفي والعسف والتسلط، وفي كل مرة كان المنتصر فيها يبني مسارة الإنحداري نحو هزيمة محققة ولو بعد حين، فحتى "السوبرمان" له حجر "كريبتونيت" ليقضي عليه.

أما حسنات الهزيمة فقد تكون في أنها فرصة كبرى للإنسان لإدراك محدودية قدرته، فتعيده إلى ذاته الإنسانية ليحاسبها ويلومها، وربما ليبحث عن حلول معها، بعيداً عن المكابرة ولوم الأقدار والشكوى من غدر الأخصام وخيانة الحلفاء.

الإعتراف بالهزيمة، والبحث عن أسبابها، والبدء في عملية الإصلاح قد تكون بداية للحد من الخسائر وإيجاد حلول وسطى قد تعطي الفرصة للمهزوم للمشاركة مع المنتصر، أو في بعض الأحيان، الإنكفاء والإعداد ليوم آخر.

المصيبة تحصل عندما لا يستنتج المهزوم العبر المناسبة من هزيمته، ويبدأ باستنباط الحجج، أو يغرق في سوداوية الحقد.

مفاعيل ۷ حزيران ومحازيره:

من المنطق أن تحتفل قوى ۱٤ آذار بالتقدم الإنتخابي الذي حققته في السابع من حزيران، فهذا الواقع الذي تحدى كل التوقعات المحلية والعالمية، أثبت أن اللبنانيين بمعظمهم لا يمكن إرهابهم حتى بالتهديد المباشر بأمنهم وبحياتهم، وبأن الأكثرية التي بقيت على مدى أربع سنوات تنعت بالوهمية هي أكثرية حقيقية وتعبر عن تطلعات معظم اللبنانيين، وبأن وهم التسونامي قد سقط بشكل واضح وإن لم ينتهي بعد بشكل حاسم، وبأن لبنان لن يقبل تحت أي ظرف العودة إلى عهد نظام أمني جديد أو أن يرضخ لنواة نظام شمولي يقضي على حريته التي هي أساس وجوده ككيان وكوطن.

ولكن فرحة الإنتصار لا يجب في أي مكان أن تتعدى حدود الواقعية بناءً على المعطيات التالية:

۱- لا يجب أن يغيب عنا بأن هذا الإنتصار ما هو إلا تمديد لمرحلة الصمود في مواجهة تغيير معالم لبنان، لذلك، ومع أهميته، فما هو إلا محطة في طريق لا تزال نهايته غير محددة.

۲- استمرار الجزء الأكبر من الشيعة اللبنانيين  في النفور من مشروع ۱٤ آذار مما يستدعي جهداً أكبر في التواصل مع هذه الشريحة العزيزة للحوار وللوصول إلى قواسم مشتركة. كما أن جهداً أكبر يجب أن يبذل لفهم هواجسها والعمل على إيجاد حلول لمعالجتها.

۳- على الرغم من التغيير الواضح في الإصطفاف المسيحي، لا يزال قسماً كبيراً متمسكاً بزعامة العماد ميشال عون على الرغم من ابتعاده الكبير عن الثوابت التاريخية لمسيحيي لبنان، وهذا ما يجب أن يأخذ أيضاً حييزاً مهماً في تحليل أسبابه ومعالجتها.

٤- لا يزال العامل الأساسي المحرك لمعظم اللبنانيين هو العصب الطائفي، ويبدو أن هذا العنصر مرتبطاً بجملة من الموروثات الشعبية التي زادتها الأحداث حدة وترسخاً لدرجة أنها صارت مستقلة عن عامل التحريض المباشر. هذا الواقع يشمل كل الطوائف دون استثناء.

٥- على الرغم من أن عنصر سلاح حزب الله لم يكن له تاثير على المسار المباشر للإنتخابات، ولكنه كان بالتأكيد أحد أهم المحركان لخيارات المواطنين من مختلف الإتجاهات، وهذا يعني أن العنوان الأبرز للإنقسام الوطني هو وجود هذا السلاح مملوكاً من فئة حزبية ومذهبية واحدة، ومرتبطاً بمشروع إقليمي لا يأخذ بالضرورة مصلحة لبنان في الحسبان، وأنه قد جرب واستعمل بشكل مباشر لتطويع الخيارات السياسية للمواطنين.

المحصلة:

لا يكفي للسيد "حسن نصر الله" أن يقول بأن سلاح حزبه لم يدخل مباشرة في المعادلة الإنتخابية ليطمئن المواطن، ولا يكفي لمحمد رعد بأن يقول بأن أي تركيبة سياسية لا يجب أن تمس بهذا السلاح، فالمعلوم للجميع هو أن هذا الموضوع بالذات هو اساس الخطر على لبنان باستمرار وجوده خارج إطار السيادة الوطنية، أي أنه مرتبط بقرار إقليمي والمشاركة بقراره محظور إلا على مَن اتبع خطاً عقائدياً واضحاً في تبعيته لمبدأ ولاية الفقيه. وفي هذا المجال لا يفيد السيد أيضاً أن يستعيد مقولة:" الفرق بين الأكثرية النيابية والأكثرية الشعبية!" فهو نفسه قال في وقت سابق:" فلنذهب إلى الإنتخابات ومَن يربح يحكم ومَن يخسر يذهب إلى المعارضة".

والمفيد الوحيد هو العودة إلى طاولة الحوار مع قبول مسبق بأن الحوار يعني حلولاً وسطاً، وأن الحل الوسط المنطقي هو بإبقاء سلاح المقاومة ولكن تحت سلطة الخيار الديموقراطي للشعب اللبناني، أي تحت سلطة الدولة.

وهذا الحل هو ما سيعيد الأمور إلى نصابها وإلى التخفيف من حدّة الإنقسام الطائفي والسياسي ويعطي الفرصة لبناء دولة تكون هي وحدها الضمان لجميع المواطنين.