هل عطّل بري دوره بيده ؟ – سركيس نعوم – النهار

عارفو رئيس مجلس النواب نبيه بري عن قرب متأكدون من انه "لا يسلّم ذقنه لأحد"، كما يقال، وتحديداً على الساحة السياسية الداخلية باعتبار ان الخارج المتنوع والمتناقض والمعني بلبنان مباشرة او مداورة تسلّم من زمان ذقون الساسة اللبنانيين كلهم او على الأقل غالبيتهم اقطاباً كانوا أم عاديين. إنطلاقاً من ذلك فانهم يؤكدون أن الايجابية التي لاقى بها ايجابية الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط ثم زعيم "تيار المستقبل" وقائد "تكتل لبنان أولاً" الذي ولد بعد الانتخابات لا تعني انه "بتّ" معهم القضايا المختلف عليها ولاسيما منها تلك المتعلقة  بالحكومة الجديدة مثل تمثيل المعارضة كلها وحجم تمثيلها وتحديداً الثلث المعطّل او الضامن او النسبية في التمثيل. علماً انه قد يكون تطرّق مع هؤلاء، وربما مع غيرهم، الى هذه القضايا "بنية طيبة" وأبدى استعداداً للمساعدة في حلحلتها داخل فريق 8 آذار الذي ينتمي اليه. وقد يكون اوحى عن قصد، ربما بسبب انتخابات رئاسة مجلس النواب التي كانت لم تجر بعد، بأمور يعرف هو قبل غيره انه لا يقرر فيها كما لا يقرر فيها لبناني آخر من فريقه سواء كان من وزنه وهو كبير ام من وزن اكبر. وقد يكون ايضا في أعماق نفسه من محبّذي بعض التسهيل عند فريقه والفريق الآخر، وخصوصاً اذا كان من شأن التسهيل اراحة البلاد وفي الوقت نفسه تمهيد الطريق امام ليس تذويب 8 آذار و14 آذار بل "تشقيفهما" او على الأقل تقليصهما ونشوء تكتل اخر يمكن ان يقوم بدور بيضة القبان في السياسة الداخلية. ولا بأس ان استفاد رئيس الجمهورية ميشال سليمان من ذلك.

بسبب كل ذلك، يضيف عارفو الرئيس بري، وجد نفسه مضطراً الى الوقوع في "الالتباس" الذي نقلته وسائل الاعلام كلها يوم الاستشارات النيابية الملزمة في قصر الرئاسة في بعبدا وخصوصاً في موضوع تسمية النائب سعد الحريري رئيساً للحكومة الجديدة. بل وجد نفسه مضطراً، وبالتباس مقصود، الى افهام كل الذين ابدى امامهم ايجابية وانفتاحاً في مقابل ايجابيتهم وانفتاحهم ما عناه بهما وهو التمسك بالحكومة التوافقية وهو ايضاً رفض التمثل وكتلة "التنمية والتحرير" التي يرئس في الحكومة اذا لم تكن كذلك. طبعاً لم يحدد بري ما قصده بالتوافقية. هل قصد الثلث المعطّل؟ هل قصد الثلث الضامن؟ والاثنان، وهما واحد، يطالب بهما حلفاؤه في 8 آذار ولاسيما منهم الحلفاء المباشرون لسوريا؟ ام هل قصد النسبية التي يتمسك بها "التيار الوطني الحر" حليف حليفه "حزب الله" وتالياً حليف كل حلفاء الأخير في الداخل والخارج؟ وطبعاً لم يكن ذلك سهواً منه، بل كان انطلاقاً من رغبة في إمرار تسميته النائب الحريري لرئاسة الحكومة في وقت "توافق" حلفاؤه كلهم، ومنهم الراعي الاقليمي او الأكثر من الراعي، على عدم تسميته او تسمية منافس له، وفي الوقت نفسه ابداء مرونة في التعامل معه في حال حاز التسمية رسمياً وابدى حيالهم مرونة مماثلة. ويبدو من ذلك انه كان "تورّط" في وعد بالتسمية فنفذها وإن على النحو المربك والملتبس المعروف. لكنه في المقابل الزم نفسه وأمام اللبنانيين من خلال وسائل الاعلام وخصوصاً المرئية منها، توافقية الحكومة. وهذه التوافقية لا يحددها هو وحده بل تحددها المعارضة مجتمعة بالتشاور مع روحها الخارجي ومن شأن ذلك ان يقلّص الى حد ما دوره في التأليف الحكومي او في تذليل عقد هذا التأليف وعقباته، اللهم الا في ما يخص تمثيله هو.




هل في هذا الكلام ظلم للرئيس بري، وتجنٍ عليه؟
طبعاً لا. فهو صديق ومن زمان. ونياته صافية، ورغبته في استقرار لبناني ثابت ودائم لا غبار عليها. لكنه تعلّم، ومن زمان، ان الخروج على ارادة "الباب العالي" وخصوصاً اذا كان هو حليفه ومديناً له، امر مكلف له ولمن يمثل. ورغم ذلك حاول اكثر من مرة العودة الى وسطية متأصلة فيه. لكن ظروف الباب العالي الذي صار لاحقاً بابين عاليين، وظروف الساحة الداخلية والثغر التي حصلت ولاسيما على الساحة الشيعية، كل ذلك دفعه الى عدم الخروج عن "الخط" انطلاقاً من غريزة البقاء والحرص على من يمثّل. لكنه لم يمنعه من الاستمرار في مراقبة ما يجري ومحاولة النفاذ من اي ثغرة لإنجاح حوار، او لإبعاد البلاد عن العنف وخصوصاً بعدما طار السلاح من يده تنفيذاً لاتفاق الطائف في اوائل التسعينات مثلما طار من ايدي حلفائه واخصامه الدائمين كما من ايدي الحلفاء الذين يبقون حلفاء رغم تحولهم اخصاماً في مرحلة معينة.

لكن الكلام الوارد اعلاه كله هو وصف لواقع من الضروري ان يأخذه في الاعتبار رئيس الوزراء المكلف تأليف الحكومة كما كل الاطراف السياسيين الذين راهنوا على دور حاسم له في التأسيس لمرحلة جديدة عنوانها حكومة وحدة وطنية فيها ضمانات متبادلة ولكن قادرة على العمل لانه ليس فيها ثلث معطل. إلا أن الرئيس بري ليس قادراً على القيام بهذا الأمر. فهناك الى جانبه او ربما قبله "حزب الله" الذي قد يعود القرار اليه بسبب حجمه الشعبي والتسليحي والمالي ورصيده المقاوم والتحريري. لكن الى جانب الحزب هناك حلفاء سوريا المباشرون، اي سوريا التي يعكس موقفها هؤلاء. ولا يستطيع الحزب ان يقرر موقفاً مخالفاً الا اذا قرّر كسر "مزراب العين" او "الجرة" كما يقال. ولا يبدو انه ينوي ذلك. والى جانب الحزب ايضاً هناك "التيار الوطني الحر" الذي "سلّفه" كثيراً، وكذلك حليفاه الاقليميان سوريا وايران مباشرة او مداورة. وهو لا يستطيع مع حليفيه التنكر له وخصوصاً بعد الثمن الذي دفعه في مقابل التزامه التحالف معهم واندفاعه فيه وخصوصاً على صعيد التمثيل المسيحي. هذا فضلاً عن حاجته الى غطاء مسيحي او حليف مسيحي لمتابعة معركته الداخلية التي لا يبدو حسمها سهلاً. هؤلاء الحلفاء للرئيس بري كلهم كانوا واضحين امس وقبله، رغم "ايجابياتهم الظاهرة". ذلك ان الهدوء المعمم والحازم والشديد للبعض يظهر حقيقة الموقف. والانذار العالي الصوت للبعض، على طريقة "ما حدا يفكر انو…" و"ما حدا يحاول…" او "ممنوع"  يظهر حقيقة الموقف نفسه. اما البعض الثالث "المحشو بالبارود"، كما يقال في قرانا الشمالية، فيخشى سامعوه ومشاهدوه ان ينفجر كانتحاري واستشهادي كلما ظهر على شاشة او وقف امام مذياع حتى وان تعمد "الهدوء والايجابية". ومعلوم ان في مقابل هؤلاء من هو مثلهم من حيث التشدد واللهجة "وما حدا يفكّر". وما الى ذلك. وان دل ذلك كله على شيء فعلى ان "السين – سين" لا تزال غير فاعلة، او بالأحرى مفعّلة. فهل يستطيع من يحمل براءة اختراعها واطلاقها في سوق التداول الاعلامي، اي الرئيس بري، ان يفعّلها لكي لا يتحول تأليف الحكومة "قطوعاً" ويصلّي اللبنانيون كي ينتهي على خير؟ وهل لديه القدرة على ذلك؟ وهل يسهل حلفاؤه داخلاً وخارجاً ترجمة هذه القدرة اذا كانت لديه؟ وهل تسمح له "الغالبية الشعبية" الذي قال  الفريق الذي ينتمي اليه بعد الانتخابات النيابية انه يملكها والتي نزلت الى الشارع مساء وليل الأحد الماضي مظهرة أنها على أهبة دائمة "للتدخل" – هل تسمح له بتفعيل "السين – سين"؟