صفحة جديدة ومصاعب متجدّدة؟ – راشد فايد – النهار

لا يماري الرئيس المكلّف سعد الحريري حين يحضّ على فتح صفحة جديدة في الوضع السياسي الداخلي تستفيد من لحظة توافق اقليمي ودولي.
هو لا ينفرد بذلك. فقبله، اشار الى هذا الامر رئيس مجلس النواب السابق العائد. والفارق بينهما ان سعد الحريري ابدى استعداده لكل تضحية ممكنة كي يجدد البلد إنطلاقته السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
ولكن قد لا يكفي لفتح هذه الصفحة كل التفاؤل الذي يبديه الرئيس الحريري الثاني. إدمان التفاؤل كان صنعة والده الرئيس الشهيد الرئيس رفيق الحريري، وكان يرفع رايته في أدق اللحظات وأحرج المسالك حتى يجرّ خصومه إليه، فينتصر بهم وعليهم.
لا يبدو الإبن سوى سرّ أبيه. تفاؤله من جهة، ومكامن خصومه والحلفاء من جهة أخرى تذكّرنا بذلك. هو يريد صفحة جديدة للوطن، وهم يستعيدون المصاعب القديمة، وبعضها من أيام الحريري الأول، لكأن تهديدات العدوّ الإسرائيلي لا تكفي لعرقلة تقدّم هذا اللبنان:

على الحدود يهدّد الإسرائيلي، وهو العدو الصريح، لبنان بإعتداءٍ شامل، إذا كان "حزب الله" ممثلاً في الحكومة وأطلقت رصاصة في إتجاه الأراضي التي يحتلّها.
في الداخل، يتدافع الحلفاء والخصوم على المزايدة السياسية: من رفض الخصخصة من دون تحديد البديل، على جاري العادة في السلبية، إلى ايحاء احتكار براءة إختراع العروبة، علماً بأنها ممارسة يومية تنطلق من أسلوب التفكير، إلى نمط العيش، وأي موسيقى نسمع، ولأي ممثل هزلي نضحك (او ندعوه لزيارتنا!).
وعلى المنوال نفسه، يصبح "لبنان أولاً" مذمة، ونقيضاً للعروبة، لكأنما الـ22 دولة عربية تخلّت عن هوياتها الكيانية إلا لبنان، ولكأن العروبة لا تقوم إلا بإلحاق لبنان بدولة عربية أخرى، أو كأن المطلوب عودٌ إلى ما قبل الـ2005 يوم كان يراد للبنان أن يستيقظ على نشيد البعث ويغفو على "ترنيمات" نظامه.
ومن أحجية النسبية في تركيبة الحكومة، إلى إعلان التضامن، "فإما أن تشارك المعارضة ككل وإما ان تخرج ككل" بحيث يلزم رئيس الحكومة المكلّف شراء الحصان الهرم بجريرة الهرّ الفارسي، على ما تقول الرواية الشهيرة.




كل ذلك، وسط قصف معتاد، بقذائف رفض الإستئثار والتسلّط والهيمنة والحصحصة والخصخصة (مع التوضيح أنها غير الإقتصادية) ، بمنطق أن من يفضح الجريمة، قبل شركائه، يعدّ بريئاً. إضافة إلى الحضّ على الإنتقال من السلطة إلى الدولة، مما يذكّر بقول الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للعقيد الليبي معمّر القذافي الذي احتجّ على قبول الأول بدولة على أي رقعة من فلسطين، مطالباً بتحرير كل فلسطين: "هو حدّ حايشك!".
كل ذلك والحريري المكلَّف متفائل، ولا تنقص من تفاؤله الشعارات المبهمة لبعض النواب والكتل، مثل المطالبة بـ "حكومة وفق المعايير الوطنية" بينما المقصود المعايير المناطقية والحزبية والمذهبية وما يشتق منها، أو "الثلث الضامن" غطاء  للثلث المعطّل، وعلى النسق نفسه "شراكة وطنية حقيقية" تمويهاً لسعي الأقلية إلى فرض استراتيجيتها على الأكثرية لإفراغ الانتخابات النيابية من نتائجها ومدلولاتها تنفيذياً.
كما لا يفت في تفاؤل الرئيس المكلف عرض السلاح في الشارع عشية بدئه مشاورات التأليف، وخصوصاً أن قول الأقلية النيابية – السياسية إن لا علاقة لها بالمسلحين المعتدين على الأحياء الآمنة في بيروت، لا ينطلي على البسطاء، فكيف بأهل الفطنة؟

حسب سعد الحريري أنه يريد فتح صفحة جديدة، بينما هم مقيمون على مصاعبهم القديمة. وهذه إن "انتهت" اليوم، فلا شيء سيمنع أن تستولد غداً. فمن الصعب على مراقب مشهد الخارجين من المشاورات في مجلس النواب أمس، أن يؤمن بأن كلمة سر، أي "إمش" التي أوضحها سلوك الأقلية النيابية، هي ناجزة ونهائية.
بعد التكليف، والتشاور، يبدأ التمرين على التأليف وتوزيع الحقائب والمقاعد، فينكشف من يريد فعلاً الصفحة الجديدة، ومن يسعى إلى تجديد المصاعب القديمة: هناك يد مبسوطة حاسمة قوية ممدودة، تقابلها يد لدنة تحار بين أن تنفتح أو تعود إلى الانقباض. هذا ما وشت به صورة الرئيس المكلّف مع رئيس الحكومة العسكرية السابق ميشال عون في الصفحة الأولى من جريدة "السفير" أمس.

صورة تقول الكثير عن الأمس. ربما غداً صورة أخرى "أوضح" أو أكثر لُبساً.