من رفيق إلى سعد الحريري: التجربة والدروس المستفادة – طلال سلمان – السفير

ما أثقل المهمة وما أشق الطريق على «دولة الرئيس» الشاب الذي لم يتسنّ له أن يختار ما يريد أن يكونه في حياته، فقبِل ما توجب عليه أن يكونه، برغم أن التحدي سيكون أمامه صعباً ومتعدد المصادر، في الداخل ومنه، ومن الخارج وفيه..
هو صعب لأن الحكم في لبنان ليس متعة، لا سيما في ظروف كالتي نعيش على الحد بين الفتنة وبين انهيار الدولة، بل هو تحد مفتوح للذات ولقدرات البلاد وظروفها المعقدة وتوازناتها الدقيقة إلى حد الهشاشة، في ظل صراع دولي شرس نشهد الآن بعض جولاته القاسية، وإن لم تكن حاسمة..
ثم إن التحدي مزدوج لأنه من جهة مفتوح على التجربة الناجحة والمكلفة للوالد الشهيد رفيق الحريري، ولأنه من جهة أخرى تحد للذات في أن يضيف إلى التجربة الموؤدة لا أن يكون أسير مرحلة انطوت بخيرها وشرها، وعليه أن يؤكد نفسه خارجها وليس فقط من داخلها.
أهلاً بدولة الرئيس سعد الدين رفيق الحريري.
من البديهي أن يستقبل اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم واتجاهاتهم السياسية هذا القائد الشاب المتقدم نحو الحكم بثقة، مرحبين به مع شيء من الإشفاق عليه وعلى أنفسهم..
فأما الترحيب فمصادره متعددة: بعضه يجيئه من أبيه الشهيد الذي يرى اللبنانيون، على اختلاف مواقعهم ومواقفهم، أنه قد اغتيل غدراً، وأن جريمة اغتياله كانت تستهدفهم جميعاً، من عارضه حتى القطيعة ومن والاه حتى الذوبان فيه، ومن اتخذ موقفاً «بين بين» في انتظار جلاء المواقف ليقرر منحازاً إلى معسكر الربح..
بعض آخر من أسباب الترحيب استحقه سعد الحريري بشخصه وبحضوره وبدوره الصعب الذي فرض عليه أن يلعبه فلعبه مع وعيه أن مقتضيات هذا الدور قد تأخذه ـ وهي قد أخذته فعلاً ـ إلى مخاصمات ومناكفات لم تكن جميعها مبررة، ولم يكن مقبولاً له ومنه أن تبلغ ذلك الحد البالغ الخطورة حيث وضعت البلاد على شفا فتنة عمياء، والعياذ بالله..
وبرغم أن جريمة اغتيال رفيق الحريري قد أصابت اللبنانيين جميعاً بلوثة الدم، وفتحت الباب على مصراعيه أمام تدخل «الدول»، وهو تدخل يستحيل أن يكون لصالح لبنان والعرب، فإن مفاعيل ذلك التدخل ستواصل التأثير في المستقبل، من دون أن تكون للبنانيين قدرة على الحد منه أو على توظيفه لمصلحتهم، كما يفترض بعض السذج أو كما يتمنى بعض من عاشوا حياتهم السياسية وتسلموا المناصب الرفيعة بفضل ذلك التدخل.. وإلى جهنم مصلحة البلاد والعباد في بلاد العنفوان والأرز الشامخ!
بعض ثالث من أسباب الترحيب بالرئيس الشاب يتجاوز العواطف إلى المصالح، إذ ترى كثرة من اللبنانيين أن سعد الحريري يحظى بدعم دولي وعربي مؤثر من شأنه أن يفتح أبواب الصناديق، عربية ودولية، وأن يوفر المناخ المؤاتي للاستثمارات فتجيء إلى هذا البلد البرسم البيع، ساحلاً وجبلاً، بريداً وكهرباء ومياها وعقارات وإدارات ومؤسسات، ودائماً بذريعة أن الدولة «تاجر فاشل»، أو أن الدولة «منتج بكلفة خرافية»!.
أما الشاهد فهو دائماً «السوليدير» والاستثمار في الأملاك التي آلت إليها فاصطنعت منها الوسط التجاري في بيروت الذي جعل منها مدينة بلا قلب..
[ [ [
لا يملك أي مواطن لبناني إلا أن يرحب بسعد الحريري رئيساً للحكومة الجديدة… وتتداخل في الترحيب عاطفة الإشفاق والاستنكار على جريمة اغتيال والده الذي شكل دخوله الحكم مرحلة فاصلة بين ما سبقه وما تلاه، إذ صار لبنان أكبر من مساحته، وصار دور رئيس حكومته أكبر من دور الحكم فيه مجتمعاً، إذ أضاف إلى هذا الموقع أبعاداً عربية ودولية لم يقدَّر لأحد قبله إن يوصله إليها، مستفيداً من الدعم السوري المفتوح المشفوع بالتزكية السعودية التي سرعان ما أضاف إليها رفيق الحريري «التبني» الفرنسي (جاك شيراك) لمشروعاته الطموحة..
على هذا فإن رفيق الحريري هو التحدي الأكبر أمام سعد الحريري،
فذلك الرئيس الاستثنائي لحكومات استثنائية في تاريخ لبنان الحديث، استطاع
أن يدخل دست الحكم معززاً بتأييد مفتوح من أهم قطبين عربيين في حينه: الرئيس الراحل حافظ الأسد، والملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز، في ذروة التفاهم السوري ـ السعودي على ثوابت السياسة العربية آنذاك، أي في مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت وصده بالقوات المشتركة (وكان للعرب فيها حصة مؤثرة) تحت القيادة الأميركية.
ثم إن رفيق الحريري الذي كان مؤهلاً لاكتساب الخبرات واستيعاب الدروس المستفادة من تجارب غيره، كما من تجربته الشخصية، قد أدرك ـ بوعيه الشخصي كما بحسن قراءة الأرض ـ الخطورة الفائقة لدور المقاومة في لبنان، فدعمها بغير تحفظ، وتمكن من توظيف صداقاته الدولية (فضلاً عن العربية) في خدمة جهادها ـ وقد أعطته العزيز الغالي من التضحيات ـ من أجل هدف التحرر. للتذكير: تفاهم نيسان 1996.
والتحدي الأكبر أمام الرئيس ـ الابن أن يكمل ما بدأه الرئيس ـ الأب، متفادياً العثرات والإشكالات التي اعترضت في حالات كثيرة تلك المسيرة التي وفرت للبنان فرصة نادرة لإعادة إعمار بعض ما هدمته الحروب التي امتدت دهوراً، في الداخل ومن الداخل والخارج، وبين الخارج والخارج على حساب الداخل.. تبقى كلمة أخيرة: كانت تجربة الأب اختراقاً لهيكلية النظام السياسي في لبنان. لقد اقتحمها رجل أعمال لا يتحدر من عائلة سياسية، وليس خلفه تجربة سياسية ذات شأن… وإنما بنى «اختراقه» بجهده وبوعيه بما يدور حوله، وبفهمه للتحولات وحسن قراءة الخريطة السياسية، ومواقع «الدول»، أيها الأكثر تأثيراً وأيها التي من الضروري الحرص على العلاقة وثيقة معها، حتى لا تكون صدمات ولا تكون إخفاقات، وحتى تستمر الطريق سالكة وآمنة… ثم حسن قراءة الداخل، وطبيعة القوى، لا سيما الجديدة، فيه.
والتجربة ناطقة أمام الرئيس الشاب وريث تلك التجربة الغنية، إذا هو أحسن القراءة، وتولى زمام الأمور بيديه، متخففاً من لوثة الدم.. فالثأر الحقيقي لرفيق الحريري إنما يكون بنجاح تجربة سعد الحريري