مطلوب حاكم لا يحكم.. ودولة تستجدي شرعيتها – إياد أبو شقرا -الشرق الاوسط

فقلت الوعد: سيدتي، فقالت:

كلام الليل يمحوه النهار




(أبو نواس)

إذا كان «المكتوب يقرأ من عنوانه»، كما يقول اللبنانيون، فإن مضمون «المكتوب» (أو الرسالة) الذي حمله زعماء الشعب اللبناني ونوابه إلى شعبهم قبل أيام غير مشجع.

فانتخابات رئاسة مجلس النواب وهيئته، أكّدت رغم «زحمة» الاجتماعات الحواريّة العابرة للتكتلات والطوائف.. انعدام الثقة وفقدان القواسم المشتركة الكفيلة بالانتقال من حالة الانقسام العمودي الطائفي إلى دولة «الوحدة الوطنية» و«المؤسّسات» و«المجتمع المدني».

وتبيّن أن الكلام الذي سبق التجديد ـ المحسوم سلفا ـ لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، والذي تفاوت بين الطمأنة إلى حتمية التوافق، والإصرار على المطالب السابقة للانتخابات واعتبارها من الثوابت، كلام لا يسمن ولا يغني من جوع.

فبصرف النظر عن إرضاء غالبيّة الشيعة باختيار مرشّحهم لتولّي أعلى مناصب الحكم المحجوزة لهم، وإرضاء السنة أيضا بتسمية أقوى ممثليهم لأعلى مناصب الحكم المحجوزة لهم أيضا، تكمن المسألة الأساسية في لبنان اليوم بوجود رغبة حقيقية عند معظم اللبنانيين بقيام سلطة حكم فعلية.. لا صورية.

سلطة تحكم، ولا ينحصر دورها بإطفاء الحرائق ـ من مختلف الأنواع ـ وتنظيم انعكاسات الصّراعات الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية، التي هي الآن ـ ولا فخر ـ «الأرض الواطئة» في المنطقة التي تتجمع فيها مياهها ومياه محيطها الملوّثة.. على حد سواء.

فممّا لا شك فيه، أن تداعيات ما حصل في إيران أخيرا، ستضيف هواجس إضافيّة إلى واقع لبنان، من حيث هو ساحة عرض عضلات وتصفية حسابات إقليمية.

ومن نافل القول، أن سياسة اليمين الفاشي الإسرائيلي التي تلوّح ضمنيا بخيار «الترانسفير»، بعدما كانت تل أبيب تكتفي قبلا برفض «حق العودة»، تهيئ بذلك الأرضية في الكيانات الهشة المحيطة بها لتأزيم داخلي قد يفضي إلى فتن مدمِّرة.

وبالطبع، المنطقة ككل تجد نفسها عند تقاطعات خطيرة، يزيدها حدة الأزمة الاقتصادية العالمية، واهتزاز النظام الإقليمي ومحاولة أطراف فاعلة فيه الهروب إلى الأمام، بانتظار تغيّرات مستقبلية قد تؤدي إلى توسيع خياراتها. وبناء عليه، قد تتأثر المرحلة المقبلة من «حكم» لبنان، بعاملين مهمين يستحيل تجاهلهما.

مواصلة تل أبيب العمل على توريط الرئيس الأميركي باراك أوباما بإرباكات إقليمية، لإضعاف قدرته على الضغط عليها في الشأن المحوري الذي يهمها أكثر من أي شأن آخر.. ألا وهو تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي. وإذا ما سقط رهان أوباما، وفسّر عنوان «الدولة اليهودية» عمليا حسب المعنى المضمَر لليمين الإسرائيلي الفاشي، سيبدأ بعض اللبنانيين المتاجرة بقضية «منع التوطين».

صحوة القيادة الإيرانية، أخيرا، على واقع داخلي ما كانت تريد أن تصدّقه هو أنها غدت مضطرة في ظل دوغماتيتها العقائدية، وانفلاشها الاستراتيجي، وإخفاقاتها الاقتصادية.. لممارسة الحكم بقوة «الباسدران» و«الباسيج».. تحت ظل شرعية المرشد الأعلى. وتردّدات منطق المحافظة على «شرعية النظام» بقوة الأمن موجودة أصلا في لبنان تحت شعار «السلاح لحماية السلاح».. لكنها ستتزكى أكثر فأكثر.

هكذا، يفرض هذان العاملان ـ في تجاذب قطبيهما وتنافسهما وليس في تناقض مصالحهما المعلنة ـ على لبنان وضعا خطيرا، بالرغم من كل الكلام الطيب والنيات الحسنة.

فالثابت الآن، رغم كل محاولات الطمأنة، أن «حزب الله» يتصرّف كقوة «أمر واقع» غير مستعدة إطلاقا لتقديم هدايا أو تبرّعات لأحد من أجل قيام مشروع «الدولة». ولا سيما أن «الحزب» ما زال مصرا على تعريف «الدولة» وفق ثقافته وقناعاته ومصالح داعميه وعمقه الاستراتيجي.

فهو من ناحية، رفض الالتزام بالموافقة على خيار مرشح الأغلبية النيابية. ومن ناحية أخرى، إذا كان لنا رصد مواقف «الكومبارس» المسيحي وغير المسيحي، الذي اصطنعه «الحزب» في انتخابات 7 يونيو (حزيران) ليوكله بالنطق بمواقفه من دون أن يتحمل «الحزب» تبعاتها، فإن «الحزب» غير متحمس لتسهيل مهمة تشكيل الأغلبية حكومتها وفق التفويض الشعبي الذي حصلت عليه. بل إن بعض شروط هذا «الكومبارس» ليس أقل من تعجيزي!

في المقابل، لا يخلو من سذاجة تحمّس بعض الأغلبية لـ «تولّي السلطة» بموجب التفويض الشعبي، وفي ضوء اللياقات المشكوك أحيانا في صدق مقاصدها. ومن دون ادعاء علم بالغيب، أو زرع هواجس وحساسيات مؤذية، أشعر وكأن هناك شخصيات أو اتجاهات غايتها التعجيل بـ«إحراق» سعد الدين الحريري، وبالتالي، تدمير وحدة الأغلبية.

فالواضح، أن الأغلبية البرلمانية تقف بقوة خلف ترشيح الحريري لرئاسة الحكومة، والواضح أيضا أنه ليس لديها أي مرشح احتياطي تتفق عليه في حال قرّر الحريري ـ أو اضطر ـ لسبب من الأسباب الاستنكاف عن قبول التكليف.

وفي المقابل، تواصل الأقلية ـ التي هي ليست فقط مسلحة، بل تعتبر نفسها أيضا «الأغلبية الشعبية» ـ عملية الابتزاز التي استمرأتها. وها هي تضع سيلا لا ينتهي من الشروط التي إذا ترجمت على الأرض لانتهت بسحب الأغلبية اعترافها بنفسها كأغلبية. وبالتالي، تقاسم الفريقين حكما هلاميا عديم المعنى، في ظل قوة أمر واقع مسلحة، تستطيع ساعة تشاء افتعال الاعتصامات والاصطدامات وإعلان العصيان المدني وتعطيل البلاد.

هنا نصل إلى سؤال بسيط جدا..

هل يمكن حكم لبنان بهذه الطريقة العجيبة الهجينة.. بعد أقل من شهر على انتخابات انتهت بنتيجة حاسمة، وقال فيها القاصي والداني «أنه لم يكن في الإمكان أحسن مما كان»؟

البديهي، أن لا فئة في لبنان تقبل أن تكون في مقاعد المعارضة السياسية استنادا إلى نتائج انتخابات. والحجة الجاهزة دائما هي أنه لا بد من «الديمقراطية التوافقية».

ولكن في «دولة مركزية» كلبنان لا وجود لهذا المفهوم. بل إن الصيغة الوحيدة التي تجسّد مبدأ «الديمقراطية التوافقيّة» هي «الدولة الاتحادية» أو «الفدرالية» حيث تتساوى الكتل أو الكيانات الجغرافية والعرقية والدينية واللغوية تحت سقف واحد من دون النظر إلى حجمها العددي.

والمفارقة الفظيعة، أن صفوف الأغلبية هي التي تضمّ قوى تؤمن بـ«الفدرالية» وقوى أخرى تحبّذ «اللامركزية الإدارية» ـ المنصوص عنها في اتفاق الطائف ـ وتطالب بتطبيقها. في حين أن القوى التي ترفض هذين الخيارين، وسعت وتواصل السعي لتعطيلهما ومنع تنفيذهما، و«تخوّن» مؤيديهما.. موجودة في الأقلية!

أين المنطق.. وأين الأخلاق في هذا؟

وكيف يجوز مواصلة إطلاق التهم حول «الاستئثار» ورفض الشراكة.. عندما يكون مطلق التهم هو «المستأثر» بأهم القرارات المصيرية ـ أي قرار الحرب والسلم ـ ويرفض أي شراكة فيه؟