المعارضة تصرّ على الثلث والحريري لا يرفضه علناً – ابراهيم الأمين – الأخبار

الرصاص الغزير الذي انطلق خلال الأيّام الثلاثة الماضية وتحوّل اشتباكاً، أمس، بدا أنّه محمّل عشرات الرسائل السياسية والأمنية. وفي ظلّ التدخّلات الخارجيّة، يمكن إيجاز الشقّ الداخلي من التفاوض على الشكل الآتي:

أوّلاً: رئيس الجمهورية ميشال سليمان موعود بصيغة حكومية تمنحه دوراً إضافياً وفاعلاً في الحكومة، ويأمل بخمسة وزراء على الأقلّ موزّعين على الطوائف الكبرى. وهو يريد مبدئيّاً التمسّك بزياد بارود والياس المر، ولكن لا مانع عنده من تعديل موقع المر نحو حقيبة ثانية إذا وافقت القوى الشيعية على تركه يسمّي وزيراً شيعياً لحقيبة الدفاع.
حتى اللحظة، لا يبادر الرئيس إلى موقف واضح. يشعر كما بقية اللبنانيين بأن فريق 14 آذار بلع كل خطبه الانتخابية عن تعزيز موقع الرئاسة خلال الانتخابات. لم يعد ممكناً منحه الثلث المعطل كما حسم الأمر وليد جنبلاط، وأكده سمير جعجع وأمين الجميّل. كذلك لا يحق له الإمساك بوزارات أساسية أو سيادية مثل الدفاع والداخلية والعدلية، ومرفوضة فكرة الثلاث عشرات لأنها تعني أن المعارضة ستوزع حصصها بطريقة غير مكلفة عليها، فيما يرتاح الرئيس في تعزيز حضوره خارج نادي الاستقطاب القائم بين فريقي الموالاة والمعارضة، وتدبّ المشكلة عند فريق 14 آذار حيث المكان يضيق أمام جيوش المستوزرين من قوى وشخصيات.




ثانياً: رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الذي حافظ على هدوئه طيلة الفترة اللاحقة للانتخابات، انتهى الأمر عنده يوم إعادة انتخابه رئيساً للمجلس. وإذ بدا أنصاره خائفين فعلاً ألا يبقى في موقعه، فهو شعر بضيق جدّي إزاء نسبة الأصوات التي نالها، ثم جاءت محاصرته بهيئة مكتب من لون واحد وفاقع، لتنهي عنده الشقّ المباشر من الهدنة. ثم جاءت التطوّرات الخاصّة بالاتصالات السعودية ـــــ السورية ومواقف الحلفاء في المعارضة لحسم مسألة الموقف من آلية المشاركة، فقال كلاماً واضحاً لكل من يعنيه الأمر في بعبدا وقريطم وكليمنصو بأن الحد الأدنى هو الثلث الضامن.

ثالثاً: الرئيس المكلف سعد الحريري في حيرة من أمره، وهو في وضع محيّر للآخرين، إذ إنه لم يقل حتى اليوم كلمة واحدة في الإعلام صدرت عنه مباشرة يعلن فيها رفض الثلث الضامن. وإن قال الكلام في المجالس المغلقة وفي الاجتماعات الحاصلة حتى الآن، فقد فسّر الأمر بأن التجربة لا تساعد على إعادة الثلث الضامن، كما أن حلفاءه من قوى 14 آذار يرفضون هذا المبدأ. وهو يقرن الأمر بالإكثار من الحديث عن الضمانات الشخصية، أي تلك التي تصدر عنه أو تلك التي يمكن إيرادها في البيان الوزاري، وخصوصاً في ملف المقاومة وسلاحها. وكان الأمين العام لحزب الله قد صارحه بأنّ الضمانات الكلامية لا تنفع أحداً، والتجارب في هذا المجال كثيرة، وكان آخرها ما حصل في جلسة انتخاب رئيس المجلس ونائبه وهيئة المكتب. ولكنّ نصر الله اتكل على فريق الحريري بأن يشرح له هدف ومضمون خطاب نصر الله لجمهوره يوم تكريم ماكينات الحزب الانتخابية حين خاطبهم قائلاً: أنتم الضمانة. كان نصر الله آنذاك يحسم نقاشاً حاول البعض فرضه من جديد. كذلك فإن الحريري يريد أن تكون أموره ميسرة، وقد انتظر بعض الوقت في السعودية، لكن الأجوبة لم تكن كافية. وعندما اضطر إلى العودة، بدت الأمور سريعة، وهو الأمر المحيّر له، إذ لم يعرف حتى الآن سبب استعجال الرئيس سليمان إجراء استشارات التكليف، فيما يعرف الجميع أن التوافق بشأن التأليف لم يحصل بعد، إلا إذا كان الحريري يمضي في سياسة تستهدف إحراج الفريق الآخر بقصد إخراجه، وبالتالي تأليف حكومة من لون واحد.

رابعاً: تتصرّف قوى المعارضة وفق تفاهم جرى تكريسه بما خصّ مفهوم المشاركة، ولا يبدو أن فريق المعارضة في وارد تقديم تنازلات من النوع الذي ينتظره فريق 14 آذار. وهذا الأمر كان واضحاً بقوة في لقاء نصر الله ـــــ الحريري، وكذلك في مداولات بقيت بعيدة عن الإعلام. وثمّة تماسك واضح إلى حدود أن حزب الله يقول لمفاوضيه إنه لا يقبل أقل من الذي يقبل به العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية، وبالتالي فإن المعارضة لا تبدو مستعجلة، ولكنها في حالة استغراب إزاء ما يقوم به الطرف الآخر، إذ إن السؤال: ما الذي يريده الفريق الآخر؟ وأين هي سياسة اليد الممدودة؟ وهل يريد العودة إلى الاستئثار؟

خامساً: على الصعيد المسيحي، يبدو أن العماد عون يعرف أن هناك محاولة جادة من قبل فريق مسيحيّي 14 آذار، يدعمها البطريرك الماروني نصر الله صفير وتصر عليها القوات اللبنانية والكتائب، لتركيب حكومة لا تضم التيار الوطني الحر على الأقل ولا تضمّ بقية المعارضة إن تطلّب الأمر ذلك. وتهدف هذه القوى إلى الفوز بفترة حكم تتيح لها تثبيت مواقعها في الإدارة والأمن والقضاء، إلى جانب الوزارة والنيابة. ولدى هؤلاء ذريعة مفادها أن الشارع المسيحي لم يعد عند العماد عون، وبالتالي فإن إخراجه من دائرة التمثيل وعدم وجوده في الحكومة لا يعنيان أن المسيحيين غير ممثّلين في الحكومة.

سادساً: يبدو النائب وليد جنبلاط مصرّاً على حفظ نقاط تمايز يعتبرها من الثوابت الآن، وهي تخصّ الموقف من سلاح المقاومة ومن التمثيل الشيعي في الحكومة. وهو في هذا المجال انتقل من مرحلة رفض الثلث الضامن بصورة مطلقة إلى مرحلة البحث به وفق آلية تضمن تنفيذ تعهدات معينة. وهو في موقع المتابع بحذر، لأنه يخاف انفجاراً يقوم على قاعدة استسهال تأليف حكومة من دون الثنائية الشيعية. ويكرر في مجالسه انتقادات قاسية لحلفائه المسيحيين، ولكنّه يختار مدخلاً اقتصادياً ليوجّه رسائل مبكرة إلى حليفه الأبرز سعد الحريري من خلال القول إنه لن يوافق على مشاريع سبق أن جرّب فريق الحريري إمرارها.

■ العالق في الخارج أكثر من الداخل

إلا أنه لا يمكن فهم ما يجري داخلياً من دون النظر إلى الاتصالات الجارية الآن على الصعيد الخارجي. ولا يتصل الأمر بموقف واحد أو وجهة واحدة. فمن جهة يبدو أن في السعودية ومصر على وجه التحديد من يقرأ الذي جرى في إيران بأنه إشارة إلى تعزيز هجومهما في أكثر من جبهة عربية، وهو أمر يمكن تلمّسه من خلال نوعية الضغوط المصرية على قوى المقاومة في الملف الفلسطيني، لكن الأمر يبدو أكثر وضوحاً في الملف اللبناني.
قبل الانتخابات، مارست الولايات المتحدة وفرنسا ومصر والسعودية الضغط المتواصل على سوريا تحت عنوان «منع أي تدخّل في الانتخابات النيابية». ولمّا ظهرت النتائج على شكل فوز لفريق 14 آذار، تلقّت سوريا الإشادات من كل حدب وصوب، رغم أن الطرف الآخر كان يقود ويموّل الحملة الانتخابية لفريق 14 آذار. لكن هذا الفريق يرى أنه صاحب حق في ممارسة المزيد من الضغوط، ولذلك اعتمد استراتيجية «الترغيب» من خلال وعد سوريا بمرحلة انفتاحية من قبل مصر والسعودية والدول الغربية، إذا لبّت الشروط الجديدة، التي لخّصها الموفدون إلى دمشق بشكل لائحة مطالب تخص «تنفيذ كل البنود المتفق عليها في طاولة الحوار الوطني بشأن العلاقات بين سوريا ولبنان، وترسيم الحدود، وملف السلاح الفلسطيني عموماً، وخارج المخيمات على وجه الخصوص». ولمّا كان ردّ سوريا أن ما يخصّها أُنجز على صعيد تثبيت العلاقات الدبلوماسية، وأن ترسيم الحدود ممكن بدءاً من الشمال، والترسيم في شبعا يحصل بعد زوال الاحتلال، فإن الجانب السعودي عاد ليتحدث عن «مسؤولية» سوريا عمّا يجري في لبنان. وفي هذا المجال، كان لسوريا كلام واضح لناحية أن الموقف التفصيلي يرتبط بموافقة قوى المعارضة في لبنان، مع شرح لما مرّ به لبنان خلال السنوات القليلة الماضية، التي تدل على أن تأثير سوريا على قوى المعارضة، وبعضها على وجه التحديد، بات ضئيلاً.
وكان مراسل «الأخبار» في القاهرة قد نقل عن مصادر مصرية أن القمة التي عقدت في جدة بين الرئيس حسني مبارك والملك السعودي عبد الله تطرقت إلى محاولة تحييد ما وصفته بأية «تأثيرات سلبية محتملة لسوريا على لبنان خلال مرحلة تأليف الحكومة اللبنانية». وكشفت المصادر النقاب عن أن النقاش تناول مستقبل العلاقات مع دمشق، مشيرة إلى أنها «مرهونة بما ستتمخض عنه تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة».

■ الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجيّة

إلا أن الأهم، بحسب المتابعين، هو أن الفريق الخارجي، كما الفريق الداخلي في 14 آذار، يسعى إلى تركيبة حكومية وفق قواعد تنسف قواعد التفاهم. وثمة كلام في فريق 14 آذار عن أن المعارضة، ومن خلفها سوريا، تريد مقايضة الحريري على طريقة ما كان يجري مع والده، أي الإيحاء أن الحريري سيلقى تعاوناً وإراحة إن هو قايض الأمن بالاقتصاد والمقاومة بالإدارة المحلية والحكم بالسياسة الخارجية. وفي رأي الفريق النافذ في 14 آذار، أن المهم نسف هذه القواعد، وأن الفرصة متاحة لإعادة تنظيم إطار الدولة وفق آلية تجعل فريق 14 آذار ممسكاً بالاقتصاد والأمن والسياسة والخارجية، وأنه مستعد لمقايضة فريق المعارضة من خلال حزب الله وحده، وذلك عبر القول بأن سلاح المقاومة خارج التداول في المرحلة الراهنة.