الحريري والمعمودية الرابعة – نبيل بومنصف – النهار

خاض سعد الحريري، نائبا وزعيما لكتلته الأكبر في مجلس النواب وعبرها زعيما للأكثرية، ثلاث تجارب موصوفة في علم التفاوض الصعب: اثنتان منها مع اقرب المقربين من حلفائه وثالثة مع حلفائه وخصومه في المعارضة معا.
كانت التجربة الاولى في الدوحة حين وجد الحريري نفسه بين مطرقة أحداث 7 ايار الدموية وسندان قانون الانتخاب المستعاد على أساس الدوائر الاقضية لعام 1960. اكتشف آنذاك، وهو الاقل حداثة بين نظرائه المفاوضين، ان قانون الـ60 استحوذ على اهتمام بعض حلفائه أكثر بكثير مما عناهم وأد الفتنة. كان ذلك مدخله على الارجح لمعاينة عجائب المفاوضات حين تمس المصالح السياسية المباشرة للقوى الحزبية والسياسية.
وكانت التجربة الثانية لدى تشكيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية، حكومة الدوحة او حكومة الثلث المعطل. صرف رئيس الحكومة التي تشارف الآن الافول عن عمر سنة الشهر المقبل، زهاء شهر في معالجة مطالب المعارضة ومثله في معالجة مطالب الموالاة. كانت المفارقة أن الفريقين المسيحيين اياهما، في المعارضة والموالاة، شكلا نجوم التعقيد والتفاوض المضني قبل ان تقلع الحكومة بثلثها المعطل. واضطر الحريري في الشق الثاني من المفاوضات ان "يقلع" معظم حقوقه الوزارية ويوزعها أنصبة على حلفائه لكي يستقيم الامر.

ثم جاءت التجربة الثالثة أخيراً في تشكيل اللوائح الانتخابية داخل صفوف 14 آذار.
اتسمت هذه التجربة بضراوة استثنائية لانها دارت داخل الصحن الاكثري وكان الحريري حجر الرحى الاساسي فيها ليس على الصعيد السني وحده بل على الصعيدين المسيحي والدرزي بصورة خاصة واستتباعا الشيعي في النطاق الاضيق. وكان الحريري من حلفائه تماما كما كان "حزب الله" من حلفائه الشيعة والمسيحيين والسنة والدروز ايضا مع تفاوت النسب تبعا لتوزع الطوائف على المعسكرين. وجد الحريري نفسه في الموقع المشابه لـ"حزب الله" من الحلفاء المسيحيين الذين بدوا "كالحبيب الذي عرف مكانه فتدلل". هؤلاء الحلفاء تمتعوا بموقع ممتاز لم يتوانوا عن قطف ثماره، كيف لا وهم يحملون مجد خوض المعركة الفاصلة بقضهم وقضيضهم. تبارى الفريقان المسيحيان، وهما من ذوي الخبرة الطويلة المشهودة في المراس التفاوضي والمناورات والمعارك السياسية والعسكرية، في فرض شروطهما الصعبة وقنص المكاسب، ولم يكن أمام الحريري كما أمام نده الشيعي القوي سوى إسلاس القياد للاعبين المسيحيين أصحاب البراعة الفائقة والموقع الذهبي في الذهاب الى معركة انتخابية مجلية وحاسمة.




أمر جوهري واحد مختلف سيجد الحريري نفسه في مواجهته مع التجربة الرابعة البادئة منذ ساعات، وهو أنه بات "دولة الرئيس" قبل ان يتكرس رئيسا لحكومة ناجزة. ذلك ان خلاصة التجارب الثلاث الآنفة الذكر، ستتمثل في ذهنه ومراسه اعتبارا من اليوم ويضاف اليها ما يبدو انه لم يفت الرئيس المكلف حين أدلى ببيانه الاول رئيسا مكلفا لتشكيل الحكومة من تحديات اقليمية تجنح بعملية التأليف عن مجرد كونها توزيع أنصبة وحصصا ووزارات.
غالب الظن ان المعارضة تنظر بعين الرضى الى تضمين الحريري بيانه الكثير من أدبياتها في مسألة التحديات الاسرائيلية والتوطين وحكومة المواطن، تماما مثلما تشعر الاكثرية ان هذا البيان مستقى من النهج السيادي والاستقلالي والاقتصادي الذي يخط الاطار المبدئي الجامع لتحالف 14 آذار.

ولكن المسألة تجنح في جوهرها عن الاطار التوحيدي التعبيري وحده، اذ سرعان ما سيجد الحريري نفسه، رئيسا مكلفا كما زعيما للغالبية أمام شياطين التفاصيل وفي مواجهة أنداده في الغالبية والمعارضة سواء بسواء ليكتشف تاليا ان تشكيل الحكومات في لبنان أضحى الاستحقاق الأم الذي لا يعلوه أي استحقاق صعوبة ومشقة واختبارا. هذه الحكومة، اذا قيض للحريري ان يشكلها في نهاية المطاف، ستكون ثالث حكومات "الاستقلال الثاني"، وأولى الحكومات بعد انتخابات 2009، وستكون تاليا المدماك والسابقة اللذين سيحكمان السياسة اللبنانية لأربع سنوات مقبلة مبدئيا. لذا، ليس هناك أعرف من هذه الحقيقة من زعماء فطروا على شهوة السلطة، فكيف حين يصبح مفهوم الحكومة وواقعها أكبر من الدستور نفسه؟ وهل ستكون الاستشارات المقبلة أقل من مفاوضات حول "معاهدة فيديرالية" هي المعمودية الكبرى للرئيس المكلف الجديد؟