هل يُسمح لسعد الحريري بالوصول إلى السرايا؟ – صلاح سلام – اللواء

مع تكليف سعد رفيق الحريري تشكيل الحكومة الجديدة، يكون الوضع السياسي في لبنان قد تقدّم خطوة ثانية نحو التهدئة والانتظام، بعد نجاح الخطوة الأولى في إجراء الانتخابات النيابية بهدوء، وفي أجواء من الشفافية والديمقراطية·

ولكن بلوغ الوطن الصغير ما يتمناه أهله من الأمن والاستقرار، والعودة إلى كنف الدولة والنظام لا يتحقق، إذا حالت الشروط التعجيزية، والعرقلات المفتعلة دون تمكين الرئيس المُكلّف من تشكيل <حكومة الإنتاج والإنجاز> في أسرع وقت ممكن·




ولا يُخفى على أحد، في الموالاة وفي المعارضة، أن البلد يقف اليوم امام منعطف مفصلي في تاريخه السياسي: إما أن يسير على درب الوفاق والتفاهم حول الخيارات الكبرى، وترجيح عوامل الاستقرار والازدهار، وإما الارتداد مرّة أخرى إلى طريق الصراعات العبثية، والمواجهات الانتحارية، والانزلاق إلى متاهات الحروب الداخلية وإمداداتها الخارجية·

الأخطار المحدقة بالبلد تتجاوز بكثير المناورات الدائرة، الظاهر منها والخفيّ، في استشارات التكليف، وما يعقبها اليوم في استشارات التأليف، وهذه الأخطار تبقى أكبر من الخلافات القديمة – الجديدة على توزيع النسب والحصص في الحكومة العتيدة، وارتداداتها المدمرة تطال الجميع في الأكثرية والمعارضة، في مختلف المناطق، ولدى كل الطوائف!·

فهل دروب التأليف سالكة وآمنة أمام الرئيس المُكلّف؟·

* * *

لقد كان الرئيس الشاب صريحاً مع اللبنانيين عندما أعلن بكل وضوح في كلمته اثر صدور مرسوم التكليف بأن الطريق إلى التأليف لن يكون سهلاً، و <أن العراقيل والمطبات قد تكون أكثر من الظاهر، علماً أن الظاهر منها كثير>!·

والواقع أن ثمة مؤشّرات عديدة تؤكّد على عودة أطراف فاعلة في المعارضة، إلى سياسة الابتزاز المعروفة: <ما لنا··· لنا وحدنا! وما لكم··· لنا ولكم>!·

وإلا كيف نفسّر فوز الرئيس نبيه برّي برئاسة المجلس بتسعين صوتاً، وإحرازه ثلاثة وثلاثين صوتاً من الأكثرية، والتصويت لنائبه فريد مكاري بثلاثة وسبعين صوتاً، واكتفاء المعارضة بإعطائه صوتين فقط مقابل الأصوات التي أخذها برّي من الأكثرية!·

وإلا كيف نبرّر عدم تسمية كتلتي حزب الله والتيار العوني زعيم الأكثرية النيابية رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة، وتحجيم الأصوات المرشحة له تحت سقف التسعين صوتاً (نال 86 صوتاً)، رغم استمرار مطالبة هاتين الكتلتين بحكومة وحدة وطنية··· وحتى بالثلث المعطِّل!·

صحيح أن الرئيس المُكلّف حاول الارتفاع فوق مستوى هذه الحرتقات، وطرح رؤية وطنية جريئة لمعالجة مشاكل الناس، وإيجاد الحلول المناسبة لأزمات البلد، ولكن ماذا تنفع محاولات زعيم <المستقبل> في سياسة اليد الممدودة، والدعوة للانفتاح والحوار، إذا لم تلاقيه الأطراف الأخرى في المعارضة، أقله أدعياء الحرص على البلد والدفاع عنه، إلى منتصف الطريق لشبك الأيدي من جديد، وإطلاق السواعد والقدرات المشتركة القادرة على إعادة بناء الدولة، وتفعيل مؤسساتها من جديد؟!·

* * *

رب قائل إن الصعوبات التي تعترض طريق التأليف أمام الرئيس المُكلّف ليست كلها داخلية، بل إنها خارجية بالدرجة الأولى، وما نراه في الداخل هو امتداد للعوامل الخارجية المؤثرة بقوة على الساحة الداخلية!·

ورغم أن سعد الحريري سبق له وأعلن أكثر من مرّة، أن تطبيع العلاقات اللبنانية – السورية يبقى في مقدمة الأهداف المفيدة للبلدين الجارين·

ورغم كثافة الاتصالات السعودية – السورية وجدّيتها البالغة خاصة في الفترة الأخيرة، والتي تركزت على ترتيب الوضع اللبناني في مرحلة ما بعد الانتخابات، لا سيما بالنسبة لترؤس الحريري للحكومة الأولى المنبثقة عن تلك الانتخابات·

ورغم بعض الإشارات الإيجابية الصادرة عن دمشق في الملفين اللبناني والفلسطيني·

رغم كل ذلك، يبدو أن ثمة نقاطاً ما زالت عالقة، وتُعيق تقدّم الرئيس المُكلّف نحو السرايا الكبير، وتحتاج إلى مزيد من الاتصالات والمشاورات بين الرياض ودمشق، لتذليل ما تبقى من عقبات، وفي مقدمتها إصرار حلفاء دمشق في المعارضة على الثلث المعطّل في الحكومة الجديدة، رغم أن رئيس حكومة قطر الشيخ حمد أحد أبرز المشاركين في وضع اتفاق الدوحة، الذي نص على الثلث المعطّل للمعارضة في الحكومة السابقة، قد أعلن وأكد بوضوح أن مفاعيل اتفاق الدوحة قد انتهت مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية!·

* * *

وإلى جانب التحفظات السورية الظاهرة أو المستترة، ثمة تخوّف لبناني من أن تعود طهران لاستخدام الشارع اللبناني للرد على ما يحصل في الشارع الإيراني، وتصاعد الاتهامات <النجادية> لكل من واشنطن ولندن في التدخل بالأزمة الإيرانية، وتحريض الشارع الإيراني على النظام الحالي!·

وكما كان شعار <سنهزم أميركا في لبنان> عنوان المرحلة المتفجرة في السنوات الأخيرة، والتي كادت توصل البلد إلى أتون حرب مذهبية وأهلية قاتلة، فإن القدرة الإيرانية على تحريك تناقضات الشارع اللبناني، المذهبية منها والمناطقية، ما زالت كبيرة ومؤثرة، ولعل ما يجري في بعض شوارع بيروت منذ إعلان تكليف زعيم <المستقبل> يُشير إلى بعض أخطار المرحلة المقبلة، إذا لم يتغلّب منطق العقل والحكمة على مشاعر التعصّب والانفعال، وإذا لم تقوَ المسؤولية الوطنية على كل ما عداها من حسابات فئوية أو ارتباطات خارجية!·

* * *

تكليف سعد الحريري خطوة ثانية نحو التهدئة والانتظام ولكن هل يُسمح له بالوصول إلى السرايا الكبير رئيساً للحكومة، ليصل معه لبنان إلى شاطئ الأمن والاستقرار؟·

إنه السؤال الذي يُخفي بين كلماته الكثير من العقبات و··· التحديات