هل يسمع الحريري نصيحة أبو نزار؟ – جان عزيز – الأخبار

يروي أحد الذين رافقوا رفيق الحريري عن قرب ومعرفة، أن كثرة المستشارين من حوله، لم تكن مجرد حاشية، ولا حركة استيعاب واستقطاب وحسب، ولا تدليلاً على عظمة الإمكانات أو سبيلاً لاستثمارها.
إذ كان الراحل يعتمد لكل لغة رجل، ولكل مخاطبة واحد من أهل جمهورها وقلبها ووجدانها.
ويفصّل العارف نفسه، أنه حين كان ينوي الحريري الأب التوجه بكلامه إلى المسيحيين، كان يطلب من مستشار معيّن المشورة، والمحاورة، ثم الاستكتاب. ليأتي كلامه مضمخاً بسمة «الكيانية» التي تخاطب الحس المسيحي، وإذا أراد التوجه إلى الشيعة، استعان بكربلائية مستشار آخر، كما بقاموس «الأمة» في مخاطبة أهل بيته، والمزيج الهجين من كل لغات الأرض وباطنياتها وازدواجياتها لمخاطبة الجنبلاطيين، وصولاً إلى لغة «المواجهة القومية» و«الظرف الإقليمي» عند تقمّص اللسان السوري، مع منسوب مرتفع دوماً من عروبة عصرية مواكبة لاقتصاد السوق ودور أوروبا الوسيط مع أميركا الشر الذي لا بد منه، وموسكو الموازنة الناشئة، وصولاً إلى الصين وماليزيا…
هكذا أتقن الحريري الأب كل اللغات، مع قدرة هائلة على صهرها في تناغم مقبول، ضمن تلك «اللبنانية» التي تحدثّ عنها مُنح الصلح، ولم تجد تجسيدها إلا في هذا الآتي على خطى صلحي آخر، من صيدا إلى بيروت.

سقط الحريري الأب في لحظة سكون وصمت، في زمن انتهى فيه الكلام، فلم تسعفه كل لغات الأرض.
جاء الحريري الابن وريثاً لكل تلك الصفحات المكتوبة والبيضاء، ليكتشف هو، ويدرك من حوله لاحقاً، قصوره عن إجادة «لغة الألسن». ففي أيام قليلة ظهر عجزه عن التحدث بلغة المسيحيين، وبكركي تحديداً. حتى ذهب الصرح يومها إلى مقولة «أعذر من أنذر». وهو واقع استمر حتى اللحظة، مع فارق واحد، أن الحريري الابن لم يتغيّر. بل تغيرت لغة سيد الصرح، صارت ضد الديموقراطية التوافقية، وضد الانفتاح على المحيط، وحتى ضد قانون الستين، وضد وحدة المسيحيين.
بعدها بأشهر قليلة، اكتشفت قريطم مع سيدها الجديد، أنها لا تجيد لغة أهل الضاحية أيضاً. عامان كاملان من لقاءات المانغا الشهيرة بين الأب والسيد، انتهت إلى ما يشبه عض الإسفرجل، كل قضمة بغصّة. حتى كانت القطيعة والمحاولات المتعثرة لجسرها، بلا جدوى. وبعد أعوام، اكتشف سيد المختارة نفسه أنه لا يحسن التفاهم مع الحريري الابن، فبدأ يطلق تنتيعاته، ويغمز تورية وتخفيفاً، تارة من قناة حاشية ومستشار، وطوراً من قناة عدم القدرة على فهم التطورات الدولية. وفي الطريق ذاتها، فقد الحريري موهبة التحادث مع نبيه بري، فبعث إليه يوماً برسالة «الكيمياء» المفقودة بين الرجلين، ولم يتكيّف مع اللغة الفرنسية بعد شيراك، ولا الأميركية بعد تشيني، ولا حتى الرئاسية على ما يبدو، بعد اقتصار قاموسه على مفردة «فِل»، زمن إميل لحود.




قام الحريري الابن، أو ثمة من تمكّن من تنويمه على وهمين اثنين: في الداخل هناك عقبة وحيدة اسمها ميشال عون. وهي عقبة زائلة حتماً، إما بالرهان على الوقت والزمن، وإما بالتذليل بقدرة الإمكانات وفارق الحسابات وهوّة الأرصدة، وفي الخارج، هناك عقبة مقابلة وحيدة اسمها دمشق، وهي أيضاً قابلة للمعالجة، إمّا عبر واشنطن بالقوة، وإمّا عبر الرياض بالنخوة.
هكذا اكتفى الحريري الابن بلغته الوحيدة، وبقراءته في كتاب واحد، وهكذا صار يسمح لنفسه بالمرور بجانب عون في ساحة النجمة، من دون إلقاء التحية حتى، لولا اضطراره إليها عند تواجه الرجلين أمام باب المغادرة، وصار ينتظر أخبار وصول عبد العزيز بن عبد الله إلى العاصمة السورية، فيما زيارته الأخيرة قبل شهرين لم تنفع، ولا مواعيد جديدة محددة له هناك، على عكس كل التسريبات.

ذات مرة، سئل محسن دلول، رفيق درب كمال جنبلاط، لماذا افترق عن نجله وليد، فأجاب: لم أتركه، بل أنهيت معه علاقة ظلم متبادل. فأنا كنت أريده صورة عن والده، فيما كان هو يريدني صورة عمن صاروا حاشيته، العبرة نفسها كرّرها أبو نزار للحريري الابن، وتبدو ضرورية له، إذا أراد رئيس تكتل «لبنان أولاً»، أن يصير رئيساً لحكومة كل لبنان، لا حكومة قريطم وسائر ملاعق ذهب لغة «الضاد» المخفّفة بالدال، الدالة على الكثير…