وليد بك والدروز: البقاء والتمسك بالأرض أولاً – سركيس نعوم – النهار

– 3 –
الدوافع التي جعلت الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط يُبقي رِجْلاً في فريق 14 آذار وينقل الاخرى الى فريق 8 آذار، اي بكلام واضح الدوافع التي جعلته  يعود الى عادة "التغيير" او "التقلب" او "الانقلاب" كثيرة ومبررة في رأي البراغماتيين والواقعيين، ومعظمها يندرج تحت عنوان البقاء والاستمرار سواء على الصعيد الشخصي او السياسي او المذهبي. ابرز هذه الدوافع تضاؤل امله في استكمال انتفاضة الاستقلال او "ثورة الارز" كما يسميها البعض التي بدأت عام 2005 وخصوصاً في ظل عامل داخلي تمثّل في نجاح فريق 8 آذار في الصمود رغم التغيرات الهائلة التي حصلت في البلاد وكان ابرزها خروج الجيش السوري ووضع رموز النظام الامني المشترك، اي اللبناني – السوري، في السجن. وفي ظل عامل داخلي آخر تمثّل في اجتذاب "التيار الوطني الحر" الى فريق 8 آذار بعد فترة من الجفاء تسبب بها عملياً تخلي هذا الفريق عنه في انتخابات  2005. وكذلك في ظل عامل اقليمي هو نجاح حليفي 8 آذار وقائده "حزب الله"، اي سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية في الصمود في وجه الحملة الشرسة عليهما من المجتمع الدولي بقيادة اميركا جورج بوش الإبن. ومع الوقت انعدم الأمل المذكور اعلاه عند وليك بك، إذ انتقل على الصعيد الداخلي فريق 8 اذار من الدفاع الى الهجوم وتحوّل فريقه الذي كان هو أوّل بُناته اي 14 آذار الى الدفاع. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد اذ شل 8 آذار البلاد بعملية "تخييم" مدنية – سياسية – امنية في وسط العاصمة وحصار للسرايا الحكومية وتهديد مستمر باقتحامها، لو لم يسارع المتمركزون فيها والمدافعون عنها سياسياً طبعاً الى مواجهة المذهبية التي تهددهم بمذهبية اخرى "معادية" لها، – وآسف  لاستخدام هذا التعبير لكنه واقعي – كما عطّل المؤسسات وفي مقدمها مجلس النواب.

اما على الصعيد الاقليمي فقد بدا لوليد بك، رغم تكرار المواقف الدولية وتحديداً الاميركية المؤيدة لفريقه ان سوريا بشار الاسد صمدت ثم "نجت" سواء من اي محاولة لتغيير نظامها، او اي ادانة جدية وخطيرة محتملة لها في اغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري. ودفعه ذلك الى التفكير في المستقبل، اي اميركا بعد بوش وفي السياسة التي قد تُنْتَهج لجبه التحديات التي واجهتها، والاخفاقات التي اصابتها في الشرق الاوسط، فلم ير الا حواراً بين اميركا ما بعد بوش وسوريا وايران. ولم ير الا تطبيعاً، وإن في الحد الادنى، بين سوريا والمحور العربي المناهض لها ولإيران حليفتها ممثلاً بالسعودية ومصر والاردن. ورغم كل ذلك ظل على اعتقاده ان المعجزات يمكن ان تحصل، فاتخذ الموقف الشديد والصلب في 5 أيار 2008 الذي قد يكون دُفع اليه نتيجة معلومات موجهة، وكان رد الفعل عملية عسكرية "جراحية" قام بها "حزب الله" بعد يومين في العاصمة وعلى مداخل الجبل، جبل كمال جنبلاط ووليد جنبلاط، الأمر الذي قلب المقاييس والموازين ووضع وليد بك في اجواء انقاذ ما يمكن انقاذه.




طبعاً لا بد من ايراد تفصيلات عن دوافع اخرى حملت وليد بك على التعقّل والاعتدال والمرونة ومد اليدالى اخصامه بل اعدائه السابقين، كما حملته على اقناع حلفائه الذين قد يتغيرون قريباً او قد يتغير بعضهم او محاولة اقناعهم بابداء ايجابية معينة حيال اخصامهم والأعداء. فنجح مع البعض الاساسي منهم واخفق مع البعض الآخر. من هذه الدوافع، ادراك وليد بك بعد 7 أيار ان الاستمرار في التصدي غير المتكافئ لـ"حزب الله" وسلاحه وحلفائه الخارجيين قد يهدد منطقته وطائفته، وإن كلّف الآخرين مئات القتلى او اكثر من ذلك. ولا ينتقص ذلك من شجاعة الموحّدين الدروز وبأسهم لكنه يعكس حقيقة موازين القوى المختلة ديموغرافياً وسلاحاً ودعماً خارجياً سياسياً ومالياً، او بالأحرى يعكس انعدام وجود هذه الموازين. وادراك وليد جنبلاط ان هزيمة الطائفة تعني انتهاء زعامته التي لا استمرار لها خارج الطائفة لأن لبنان اللاطائفي غاب الى الأبد. وإدراكه أيضا ان الاعتماد على حلفائه السنّة، وهو وطائفته اقرب اليهم منهما الى الشيعة من زمان سحيق، لن يمكّنه من الصمود بدليل ما حصل لهؤلاء في 7 أيار 2008. وادراك وليد جنبلاط ان استمراره في خط 14 آذار سيفقده سيطرته الاحادية على "الجبل الدرزي" اذا جاز التعبير، رغم ان عدد مسيحييه في جداول الشطب على الاقل كبير جداً، اذ سيعيد اليه المسيحيين المشابهين له من حيث قوة الشكيمة والعصب والتعلق بالسلطة، وسيبعد المسيحيين الطيّعين الذين ارتاح دائماً اليهم. وادراك وليد جنبلاط ان اكثر ما يهم طائفته وهو خير من يمثّلها، هو البقاء في ارضها عزيزة، كريمة وسيدة. واذ عزّت السيادة وتوابعها فان الاولوية للبقاء في الارض وإن يكن ثمن ذلك التكيّف مع اوضاع لا ترتاح اليها او لا تثق بها. وذلك حاصل خارج لبنان وفي اكثر من دولة. وادراك وليد جنبلاط ان الوضع الطائفي المذهبي السائد قد يفقده ايضاً ويفقد طائفته الكلمة الاولى التي كانت لهما في اوساط المسلمين السنّة من ابناء دائرة الشوف الانتخابية. علماً ان هؤلاء كانوا دائماً معه وله، وخارج دائرة تأثير الزعامات السنّية اللبنانية الكبيرة. وهو في الواقع قد فقدهم، إذ صار بعضهم في "قبضة" حلفاء له من القيادات السنّية الأساسية، وبعضهم الآخر في قبضة التيارات الاسلامية الاصولية السنّية. وعلماً ايضاً –  وهذه حقيقة للتاريخ – ان سنّة لبنان الذين كان دروزه اقرب اليهم منهم الى الشيعة والمسيحيين، لم يكن قادتهم ايام الزعيم الوطني الراحل الشهيد كمال جنبلاط "راضين" كثيراً عن قيادته لهم او تزعمه عليهم من خلال تأييد "دويلة فلسطين" اللبنانية له و"الحركة الوطنية" باحزابها اليسارية وشخصياتها القومية. وقد لمستُ ذلك يوم ذهبت الى منزل المفتي الشهيد حسن خالد في عرمون لتغطية اجتماع اسلامي (سنّي) ديني – سياسي. وفي الرواق، حيث كنت انتظر انتهاء الاجتماع وحيداً نظراً الى غياب الزملاء، تعالت الاصوات وسمعت احتجاجات واضحة على "تزعّم" جنبلاط المسلمين وتحديداً السنّة. ولما نشرت هذا الامر في "النهار" في اليوم التالي وردتني انتقادات كثيرة.

هل يعني ذلك كله ان عملية انتقال وليد بك الى الضفة الأخرى قد نضجت؟
معه لا احد يعرف. وظروف الانتقال ستنضج. ولكن لا يستطيع وليد بك التسرع في "مغامرة" كهذه. اولاً، لأن الرأي العام داخل طائفته لا يزال غير مقتنع بفريق الضفة الأخرى، رغم استعداده للسير مع الزعيم المفدى الى "البقاء" ولا نقول الانتحار. وثانياً، لان "التدخّل" السعودي معه يساهم في ابقاء شعرة معاوية بينه وبين حلفائها اللبنانيين. وثالثاً، لأن مقابل الانتقال ليس واضحاً بعد، سواء عند الفريق المحلي في الضفة الأخرى او حليفه الأقليمي. ورابعاً، لأن الذين يراهن وليد بك على التعاون معهم داخل 8 آذار قد لا يكونون قادرين على السير معه الى النهاية من سياسية او من "وسطية" لأن "العين بصيرة واليد قصيرة" كما يقال. وخامساً، لأن دور "بيضة القبان" الذي ربما يفكّر وليد بك في لعبه بين السنّة والشيعة والذي يمكن ان ينافسه جدياً فيه المسيحيون لو كانوا يعقلون، لكنهم لا يعقلون، قد يكون مستحيلاً لأن حجم طائفته ليس كبيراً كفاية لذلك. لكنه لن يبقى كذلك اذا تعاون المسيحيون والدروز على القيام به، ولكن ليس كبيضة قبان بل كدور مُحفّز للتفاعل بين السنّة والشيعة. وتعاون كهذا رهن بنسيان آل جنبلاط ان زعماء الدروز استقدموا فلاحي الشمال المسيحيين لمعاونتهم في الارض، وبقبول حقيقة انهم صاروا مساوين لهم في الحقوق والواجبات السياسية والوطنية. ورهن بنسيان الدروز والمسيحيين الإجرام الذي ارتكبه بعضهم في حق بعض  خلال الحروب الاهلية وغير الأهلية، او الظلم، وانتقالهم الى التعاون حفاظاً على وجودهم وعلى العيش المشترك المسيحي السنّي – الشيعي – الدرزي بل على لبنان.