إشكالية العلاقة السنّية ـ الشيعية – سليمان تقي الدين – السفير


لا شيء يستحق أن يتقدم أولوياتنا الوطنية في هذه المرحلة مثل معالجة التوتر في العلاقات السنية الشيعية. لا حاجة للاعتذار عن تسمية الأمور كما هي بالأسود والأبيض. هناك مسألة لم تعد طي الكتمان بعد أن عبّرت عن نفسها بانشقاق كبير وانقسام حاد في الانتخابات النيابية، وهي تتوالى فصولاً في انتخابات رئاسة المجلس وتشكيل الحكومة. المجتمع اللبناني يعاني من فرز مذهبي ومشاعر عدائية. تظاهرات السلاح وإطلاق الرصاص في المناسبات صار وسيلة لتوجيه التحيات والرسائل.

المسألة ليست دينية رغم بعض الجذور. إنها مسألة تاريخية تتجدد بفعل ظروف ومعطيات بدأت مع الثورة الإيرانية وقيام الدولة الإسلامية الشيعية. معظم النظام الرسمي العربي وقف خلف العراق في حربه مع إيران لكنه تعامل معها كتحدٍ سياسي قومي. ولم تنشأ عن هذه الحرب تصدعات مذهبية رغم تأثيرها في ما يمكن وصفه «الصحوة الشيعية».
لم يعرف لبنان هذا الاستقطاب المذهبي قبل الاحتلال الأميركي للعراق واندلاع الفتنة فيه، التي ذرّت رياحها في كل ارجاء المنطقة. غير ان المفصل الخطير الذي اخترق المجتمع اللبناني كان تداعيات ذاك القرار «اللعين» الذي أراد تفجير الساحة اللبنانية ونجح إلى حد بعيد في خلق مناخات الفتنة. انقسم اللبنانيون على خيارات وطنية جذرية وحادة تعسكر فيها المذهبان في جبهات متقابلة وقلق عميق حول موقع ودور كل منهما ومستقبله في الصياغة الدولية الجديدة الوافدة مع الهجوم الغربي على المنطقة.
في مثل هذا المناخ من «الخوف الوجودي» لم تعد المسلمات الوطنية مسلمات، ولا الخيارات السياسية مجرد خيارات، لقد دخل المجتمع في الاستنفار الغريزي، تشحنه اللعبة الدولية وأدواتها المتعددة، وانزلقت البلاد نحو الفتنة في أكثر من مناسبة.




التحول الأساسي والمستجد في المشهد اللبناني هو المزاج السياسي والثقافي لدى المنتسبين إلى مذهب السنة. خلاصة هذا التحول أن تصير هذه الجماعة «طائفة» أي جسماً سياسياً ومؤسسة مغلقة تضاهي الآخرين. معنى أن يصير السنة «طائفة» يعني انهم انفصلوا عن الجسم التاريخي العربي الواسع الذي كان يعطيهم الوعي القومي والدور. كما أن هذا «التطييف» يعني التموضع في النظام الطائفي والمصالح الضيقة التي يفرضها على الجماعات وثقافتها وتطلعاتها بالتوازي مع الآخرين.
هذه «اللبننة» لجماعة السنة التي هي مسار تاريخي كانت لها معاني ايجابية في المزاوجة بين الوطنية والعروبة التي صاغها اتفاق «الطائف».
منذ «الطائف» كانت القيادة السنية هي محور النظام السياسي والجهة الأكثر تأثيراً على خيارات البلاد الاقتصادية والاجتماعية. صحيح أن هذه القيادة أعادت دمج لبنان بالمصالح الاقتصادية اقليمياً ودولياً، لكنها لم تقطع حبل السرّة السياسي الذي أبقى على التزامها بالقضيتين الوطنية والعربية. لعل هذا الموقع كان مستهدفاً بالقرار الدولي 1559 وتداعياته لإيجاد القطيعة، ودفع السنة لبلورة عصبية طائفية تنعزل عن البعد الوطني والعربي وتناقض المقاومة التي آلت الى فريق مذهبي لأسباب تاريخية. استطاع المشروع الغربي ان يحدث هذه القطيعة على حدث تأسيسي دموي، فكانت هذه الصدمة مدخلاً لاستحضار كل الموروث التاريخي وما تراكم عليه من عناصر واقعية تمثلت في أزمة العلاقات اللبنانية السورية، وفي إشكالية سلاح المقاومة، والدور الإيراني في العراق، والنزاع المفتوح على السلطة. تلبّست جماعة السنة، جمهوراً ونخبة، موقفاً لا ينسجم مع تاريخها ومصالحها وجذورها الثقافية.

إن قسماً مهماً من فقراء لبنان، ومن جمهور العمل الوطني، ومن تيار المقاومة التاريخي، نزحوا جميعاً إلى مواقع غريبة عنهم، جرّاء سياسة الخوف والتخويف، والخلط بين المشروع الوطني وبين الإدارة السلطوية والمذهبية له.
من المعروف ان النظام الطائفي يطحن كل الظاهرات الوطنية، لكن هذه الحقيقة لا تعالج بالمنطق التبريري، بل يجب العمل على مواجهتها ببناء حركة وطنية لا تكون جزءاً من توازنات النظام وتناقضاته.
لا يمكن اليوم إحداث أي تقدم في الوضع اللبناني في مسيرة بناء الدولة من دون السنة. ولا يمكن استعادة الوحدة الوطنية على قاعدة مواجهة المشروع الإسرائيلي من دون السنة. لا يكفي أن يؤدي التفاهم الاقليمي إلى التهدئة والهدنات وإلى التسويات، ثمة حاجة إلى اخراج السنة من ثقافة الانعزال الحالية إلى استعادة الدور الوطني العربي والإصلاحي من غير خوف على موقعهم في النظام أو في المعادلة الوطنية.

هذه المسؤولية لا تقع على فريق واحد. هناك مراجعة وطنية شاملة يجب اطلاقها بعد أزمة السنوات الأربع الماضية. على اللبنانيين أن يتصارحوا في مصادر خوفهم وقلقهم بعضهم من بعض، وعلى القوى السياسية أن تراجع ممارساتها وحركة جمهورها وخطابها التي تساهم في تعميق العصبيات المذهبية. لسنا هنا لننقل تفاصيل الحياة اليومية وما يحصل في الأحياء والقرى أو الصالونات التي يجب أن يعرفها القادة وتعرفها المرجعيات لكن نريد أن تضع الجهات المعنية مسألة معالجة الانشطار الوطني والعدائية المتنامية على جدول الأعمال