الحريري بين الإجماع على تسميته والإجماع على دوره – نقولا ناصيف – الأخبار

ما إن يُعاد انتخاب الرئيس نبيه برّي لرئاسة البرلمان، حتى يبدأ طور تأليف الحكومة الجديدة في الدوران. ورغم أن لا ترابط ظاهرياً بين رئاسة المجلس ورئاسة الحكومة، ولا بين رئاسة المجلس وتأليف الحكومة، فإن وجود الشريكين المعنيين مباشرة بإدارة الاستحقاقات الدستورية الثلاثة، وهما برّي ورئيس الغالبية النائب سعد الحريري، يجعله حتمياً لأسباب، منها:

1 ـــــ تسليم الفريق السنّي بإرادة الفريق الشيعي في إعادة انتخاب برّي رئيساً للمجلس. ولا يتذرّع هذا التسليم بأن برّي هو المرشح الوحيد للمنصب، بل لأن الإجماع الشيعي على إعادة انتخابه يحتّم هذا الخيار، ولا يخضعه لمساومة أو مفاضلة. ناهيك بأن الحريري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط لم يتخليا يوماً عن التمسّك ببرّي وبدوره، حتى في ذروة الخلاف معه، في المجلس وخارجه. وكانا يجدانه دائماً أحد أبرز عناصر الحوار الداخلي. على نحو كهذا يتجاوز الحريري وجنبلاط في علاقتهما ببرّي حساب الأكثرية النيابية الذي تمسك به قوى 14 آذار، ويضفيان على إعادة انتخابه طابعاً يتجاوز التوافق الذي لا يعني إلا رضوخاً للأمر الواقع، إلى التعامل مع وجود برّي على رأس المجلس الجديد على أساس أنه عامل رئيسي لضمان الاستقرار. بل إنه أقرب إلى الإجماع عليه. وهكذا تتخلى الموالاة، منذ أول استحقاق دستوري تواجهه بعد انتخابات حزيران، عن مغزى انتصارها وحصولها على الغالبية النيابية. فلا تستخدمهما ولا تلوّح بهما، كي لا يتحوّلا عبئاً عليها.




2 ـــــ الأمر نفسه يصحّ على تسمية الرئيس المكلف للحكومة، المعقود اللواء حتى الآن على الأقل للحريري ما لم يتخذ قراراً معاكساً. وهو خيار يطابق خيار انتخاب رئيس المجلس، ما دام أنه لا يخضع هو أيضاً لحساب الأكثرية والأقلية. حتى لو أظهرت قوى 14 آذار مقدرتها مجدّداً على فرض الرئيس المكلف بسبب سيطرتها على الغالبية النيابية. ذلك أن الفريق الشيعي سيسلّم هو الآخر بالخيار السنّي لرئاسة الحكومة كونه يعبّر عن إرادة الطائفة التي تتخطى الأرقام، إلى الحاجة لضمان هو أقرب إلى الإجماع على تسمية الحريري رئيساً للحكومة الجديدة. ففي ظلّ تجاذب الخلاف السياسي بين قوى 8 و14 آذار، لا يسع استقرار السلطتين الاشتراعية والإجرائية إلا أن يأخذ في الحسبان توازن علاقة أحدهما بالآخر من خلال الإقرار بمرجعية إجماع الطائفة على رئاسة كل منهما.
يفضي هذا الترابط، غير المباشر، بين استحقاقي رئاستي المجلس والحكومة إلى توقع حصول برّي على نسبة تزيد على 105 أصوات من المقترعين لإعادة انتخابه اليوم، بعدما حصد في انتخابات رئاسة المجلس يوم 28 حزيران 2005 90 صوتاً، وكانت الكتلة الأكثر تأثيراً في خفض الرقم هي التي ترأسها العماد ميشال عون، بينما صبّ نواب التحالف الرباعي حينذاك أصواتهم لانتخاب رئيس البرلمان الذي فاجأته 37 ورقة بيضاء، من بينها 21 لكتلة عون. سلّم الفريق السنّي بإرادة الفريق الشيعي في اختيار برّي، وكلاهما على طرفي نقيض في الموقف من سوريا والانقلاب الذي ضرب لبنان بعد 14 شباط 2005. إلا أن الخطوة المقابلة، المكمّلة لانتخاب برّي آنذاك، حصول الرئيس المكلف فؤاد السنيورة على 126 صوتاً من 128، شكّل التحالف الرباعي ـــــ بالإضافة إلى كتلة عون ـــــ شبه الإجماع الذي أحاط بتسميته تحت وطأة الاغتيال المدوّي للرئيس رفيق الحريري. إلا أن الأمر لم يعد كذلك عند تكليف السنيورة ترؤس الحكومة الثانية بحصوله، رغم الإجماع الذي كان قد أحاط باتفاق الدوحة، على 68 صوتاً فقط في مقابل 59 نائباً امتنعوا أو رشحوا سواه.

3 ـــــ يكتسب هذا الترابط أهميته بإقرانه بالتسمية المحتملة للحريري الابن رئيساً للحكومة، والذي يعكس بدوره رهاناً مماثلاً للذي عقده والده في 31 تشرين الأول 1992، عندما توأم وجوده على رأس الحكومة بمشروعه للإعمار وتعويم الاقتصاد، وقد أفضت انتخابات 1992 إلى نشوء طبقة سياسية جديدة موالية لسوريا، إلا أنها ثبّتت الاستقرار الداخلي ودفعت المسيحيين المعارضين إلى هامش الحياة السياسية. على نحو قريب من ذلك أشاع الحريري الابن، منذ طيّ صفحة انتخابات 7 حزيران، رغبة في المصالحة والاستقرار، وجعلهما شعاراً لترؤسه المحتمل للحكومة. بذلك يطبع ذاته بصورة والده عبر ربط الاستقرار السياسي والأمني بضمان الاستقرار الاقتصادي وتطمين الفريق الآخر، من خلال تأييد برّي لرئاسة المجلس خصوصاً، إلى هذا الدور والمحافظة على توازن القوى الناشئ منذ اتفاق الدوحة. لم ينتشِ بالغالبية النيابية، ولم يوح بجعلها معيار فرضه موقعه في الحكم، ولا في المواجهة مع المعارضة.

ولأن الأمر كذلك، يرغب الحريري أن يحيط تسميته رئيساً للحكومة بأوسع إجماع حوله، لا يكتفي بنصاب حلفائه في قوى 14 آذار، ويُدرجه في معطيين يعدّهما ضروريين لإنجاح أول تجربة له في رئاسة الحكومة:
أولهما، أن لا يترأس حكومة مشابهة للحكومة الأولى للسنيورة التي أعطت الغالبية ثلثي مقاعدها، ولا يترأس حكومة مشابهة للحكومة الثانية للسنيورة التي أعطت المعارضة الثلث الزائد واحداً.
ثانيهما، أنه لا يريد في الحكم تكرار تجربة والده مع الرئيس إميل لحود، بل يبدو في علاقة التعاون والتأييد الذي يعرب عنه للرئيس ميشال سليمان، أقرب إلى تلك التي جمعت والده بالرئيس الراحل الياس الهراوي، لكن بلا مرجعية سوريا التي أثقلت على هذه العلاقة وتلاعبت بها في معظم الأحيان. يرغب الابن في استخلاص عِبرة علاقة والده بالهراوي، بتفهّم كل منهما حدود صلاحيات الآخر ودوره وقدراته في أداء هذا الدور، من غير أن يصيرا على تناقض مباشر.