وليد بك يكمل مشروع كمال بك ؟ – سركيس نعوم – النهار

الزعيم الوطني الراحل الشهيد كمال جنبلاط عاش حياته السياسية درزياً وعلمانياً في آن واحد. درزياً لأنه كان احد قطبي الزعامة الثنائية لطائفة الموحدين الدروز، وربما لأنه كان الأكثر تأثيراً فيها وحضوراً. وعلمانياً لأنه كان واسع الثقافة في الدرجة الاولى منفتحاً على ثقافات عالمية عدة ومؤمناً بأن الناس متساوون رغم الاديان التي "تفرقهم" والمذاهب التي "تدفعهم الى التقاتل" والقوميات التي "تدفعهم الى التعصب". وعلمانياً أيضاً لأن نصيبه من المواقع السياسية في النظام اللبناني كان محدوداً ومتواضعاً قياساً بامكاناته وذلك بسبب كون الطائفة التي ينتمي اليها اقلية وبسبب طائفية هذا النظام وانعدام المساواة فيه وتكافؤ الفرص. فضلا عن انه كان يعلم تمام العلم ان نصيبه لن يتحسن طالما استمرت الطائفية مسيطرة سواء كان عنوانها مسيحياً او اسلامياً. (في ايامه لم تكن المذهبية فرخت كالفطر وصارت العامل الابرز وراء الكثير من المواقف والتطورات). شخصية كمال بك هذه دفعته الى القيام بمحاولة جدية لتغيير النظام اللبناني بالوسائل السلمية الديموقراطية. فشارك فيه من المواقع التي "حددها" له ولطائفته. لكنه في الوقت نفسه اسس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان يريده مشابهاً للاحزاب الاشتراكية في اوروبا وتحديداً في شمالها وليس للاحزاب اليسارية بل الشيوعية الشمولية سواء في بلد "منشئها" او في دول العالم الثالث التي نقلت هذه التجربة رغبة من انظمتها في حكم الناس وظلمهم وليس في تحقيق الخير والرفاه والازدهار والمساواة لهم كما كان يفترض. لكن التركيبة الطائفية للشعب اللبناني وقوة النظام اللبناني على هشاشته وضعفه المستمدة من هذه التركيبة وبعض الطبيعة "الزعاماتية" كي لا نقول الاقطاعية للزعيم الوطني الراحل، اضعفت الحزب الوليد فتحوّل درزياً في اكثريته الساحقة بعدما كان وطنياً بتنوعه الطائفي والمذهبي. رغم كل ذلك لم ييأس كمال بك. اذ استعمل النظام اللبناني والاوضاع الاقليمية والدولية التي كانت متدخلة في شؤونه لتأليف "حركة" سماها "وطنية" وكان معظمها يسارياً ومتنوعاً من الناحيتين الطائفية والمذهبية ولوضع برنامج لها سماه "البرنامج المرحلي" الذي تضمن في جملة ما تضمن رزمة اصلاحات كانت ضرورية للبنان وكان قبولها ممكناً من الذين عارضوها، لولا استفحال الطائفية التي غذاها امران. الاول، تفاقم الخوف المسيحي من الوجود الفلسطيني المسلح في بلادهم والذي كان يتحرك قادته بثقة وبراعة للسيطرة عليها او على الاقل لخلق دولة داخل الدولة مستفيداً من النزاعات الطائفية. وقد نجح قادته في ذلك. والثاني، تفاقم اليأس الجنبلاطي من امكان التفاهم مع المسيحيين على صيغة معقولة تطوّر النظام المغلق وتضع له صمامات امان في الوقت نفسه وتفتحه على العرب والعروبة التي يؤمن بها المسلمون اللبنانيون كلهم. وهو الامر الذي دفعه مضطراً ربما، ومدركاً او غير مدرك للعواقب، الى التحالف مع الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ومع الثورة الفلسطينية في العالم العربي والعالم كله بعدما صار لبنان المركز الاول لقيادتها وساحتها الرئيسية، والى التحول مع كل حلفائه لاحقاً جزءاً من صراعاتها العربية والخارجية. وربما ولّد ذلك في عقله ونفسه صراعاً حاداً وقاسياً بين موقفين. الاول، هو الاصرار على الحاق الهزيمة بالفريق اللبناني وتحديداً المسيحي الذي بسبب تصلبه وصل هو والبلاد الى حال مأسوية. والثاني، هو الاصرار على انقاذ ما يمكن انقاذه وخصوصاً بعدما تأكد بالملموس ان حليفه الفلسطيني "فرّط" بلبنان، وان "العرب" الحلفاء لهم اظهروا انيابهم بل اطماعهم ومخططاتهم المسيئة الى لبنان الديموقراطي الذي طالما آمن به. وقاده هذا الى الاصطدام مع سوريا فدفع حياته ثمناً لذلك على ما يقول نجله ووارثه الزعيم الدرزي الابرز منذ عام 1977 وليد جنبلاط وعلى ما يقول آخرون. ودفع معه لبنان اثماناً باهظة عدة لم يستوفها كلها حتى الآن، رغم كل ما حصل عام 2005 وبعده.

ما هي مناسبة الكلام على "عمود السماء" كما كان يسميه محازبوه وأنصاره من دروز لبنان بل غالبية الطائفة الدرزية فيه، وكما كان يسميه ايضاً الدروز الآخرون المنتشرون في العالم العربي وخارجه؟
ليست المناسبة استشهاده الذي حصل في شهر آذار 1977. ولا توافر فرصة اعلان انه استُشهد، وعلى يد مَن، ولم ينتحر او لم يقتل لسبب "تافه" بعدما كانت هذه الفرصة متعذرة قبل عام 2005. وليست المناسبة عيد ميلاده او اي امر آخر له صلة بحركته السياسية والوطنية والاقليمية والدولية والثقافية التي اصاب فيها كثيراً واخطأ كثيراً كونه بشراً من لحم ودم رغم طغيان الثقافة والوعي على عواطفه او بالاحرى رغم قدرته على ضبط هذه العواطف ومنعها من الظهور. بل المناسبة هي عودة نجله ووارثه وليد جنبلاط في رئاسة الحزب الذي اسسه وزعامة الطائفة الدرزية بعدما كاد ان يجعل هذه الزعامة احادية وفي المعادلة اللبنانية التي استمرت طائفية بل تحولت مذهبية معه – هي عودته الى "طبيعته وطبعه" اذا جاز التعبير على هذا النحو اللذين يقومان اولاً على التميّز عن الآخرين وربما "شوفة الحال" عليهم، ولهذه مبررات كثيرة، والتي تقوم ثانياً على التغيير الذي يسميه البعض تقلباً او انقلاباً.




والهدف من الخوض في هذه المناسبة هو محاولة معرفة دوافع هذه العودة حديثها والقديم، وانعكاساتها على الوضع الراهن وخصوصاً في ظل وضع لبناني "ايجابي" في العلن توفّره "الايدي الممدودة" اعلامياً بين اطراف الصراع الدائر داخلياً الذين هم وكلاء غير مطلقي التفويض من اطراف الصراع الخارجي الاكبر، في حين يكذّبه توزيع الادوار و"تفريخ" الكتل النيابية داخل فريق 8 آذار والتربّص الذي يبديه بعض اطراف فريق 14 أذار حيال بعضهم الآخر والشكوك التي يتبادلونها.
والهدف هو ايضاً محاولة معرفة اذا كان مشروع وليد بك هو تتمة لمشروع والده كمال بك او مشروعاً آخر.