ماذا سيفعل عون بعد الانتخابات؟ – جان عزيز- الأخبار

لم يبلور ميشال عون طيلة الأعوام الأربعة الماضية التي تلت عودته من المنفى مشروعاً كيانياً بالمعنى الذي عاشته السياسة المسيحية في السبعينيات والثمانينيات. غير أن متابعة خطواته السياسية وحركته التراكمية سمحت باستخلاص ثابتتين اثنتين على المستوى الميثاقي الأساسي: أولاً: اعتبار الاستقرار اللبناني ملازماً لاعتبار الجماعات اللبنانية كافة مجموعة من الأقليات المتساوية والمتوازنة في شراكتها النظامية والدولتية. ثانياً: اعتبار السيادة اللبنانية ملازمة لكون المنطقة المحيطة برمتها منطقة توازنات بين كيانات متساوية ومتوازنة بدورها في تكوينها للفضاء الإقليمي المحيط بلبنان.

وإلى جانب هاتين الثابتتين، كان لعون كلام كثير في الفساد والحداثة والعصرنة والحريات العامة والمواطنة… لكنّ الأساس «الكياني» ظل في المسلّمتين المذكورتين. هكذا لم يغرق عون في تفاصيل الخلفية الفكرية لطرحها «الجماعاتي»، مع أن عارفيه يؤكدون أنه يملكه خبرةً وعلماً وتجربة شخصية. فلم يتحدث عما إذا كان ينظر إلى الوجود المسيحي في لبنان نظرة لاهوتية، أو سوسيولوجية، أو مجرّد نموذج لآخر ما بقي من «المسألة الشرقية»، بالمعنى التاريخي السياسي. اكتفى عون بالسلوك الواقعي، على أن حياة لبنان الكيان مرتبطة بتوازن جماعاته وتبادلها وتكاملها، بمعزل عن الخلفيات الفكرية أو العقائدية لكل منها. واكتفى بالإشارة إلى أن أي «نظام أكثري» هو التهديد الأكبر للبنان في الداخل، كما أن أي كيان إقليمي أكثري في المحيط، هو التهديد الأخطر لسيادة لبنان في الخارج.




وأوحت مواقف عون أنه استند إلى عدة عوامل أو مقاييس لتحديد مكامن تلك الأخطار، ومنها العامل الديموغرافي، والعامل المالي بكل أبعاده، وعامل الحيازة العقارية، وعامل القدرة على تطويع العلاقات الخارجية عربياً ودولياً، وعامل التمكّن من استيعاب السياسيين من جماعة أخرى، ضمن تركيبة أكثرية واحدة، وأخيراً عامل نظامنا الدستوري ومفاصل السلطة، والحكم فيه. كلها عوامل أشارت بوضوح، بالنسبة إلى التجربة العونية، إلى أن القوة القادرة على كسر «التوازن اللبناني» لا يمكن أن تكون «الشيعية السياسية» ولو ممثّلة بسلاح حزب الله، بل هي السنّية السياسية المتجسّدة بالمنظومة الحريرية.

والمقاربة نفسها وجدت تطبيقها في الفضاء الإقليمي المحيط بلبنان، لجهة توازن دوله، وتوازن التركيبات الداخلية لتلك الدول. من هذه القراءة ولدت نظرية «التفاهم»، ومن هذه القراءة ولدت ضرورة الانفتاح على المحيط، لا لضرب الجماعة السنّية، بل للحفاظ على تناغمها ضمن التوازن الوطني، ولا لضرب الدور السعودي أو المصري، بل لضمان دوزنتهما في إطار الانسجام الإقليمي، إذ من دون الاثنين تسقط السيادة ويسقط التوازن، ويستحيل لبنان نموذجاً بين حدود عراق الصراع المذهبي، أو باكستان الخطر الأصولي، أو إيران العقم النظامي.
لِمَ يقبل المسيحيون هذا الخطاب والمشروع؟

وبالتالي، هل على عون الإقلاع عنهما بعد 7 حزيران؟
مسألتان تحتاجان إلى الكثير من التدقيق، وخصوصاً من قبل ميشال عون نفسه. أول التدقيق المطلوب سؤال: هل وصل هذا المشروع إلى المسيحيين فعلاً؟ أم شوّشته أخطاء ذاتية ثقيلة، في معايرة اللغة وفاعلية التنظيم وكفاءة الأشخاص؟ فضلاً عن «حروب الآخرين» عليه واستشراسهم لوأده، لأغراض سياسية أو شخصية، عن سوء أو عن جهل. وبالتالي، ما هي مروحة العوامل التي حتّمت تراجع الكتلة الاقتراعية لعون نحو 20 نقطة مسيحية؟ وكيف تتوزع النسب التثقيلية لكل عامل، بين عدم قبول المشروع، أو خطأ الخطاب، أو ضعف التنظيم، أو انعدام الإمكانات، أو سلبية الشخص، أو سلسلة العوامل الموضوعية الكثيرة، الأخرى؟
سؤال يلزمه الكثير من البحث الجدّي والعلمي، بلا ارتجالية ولا فوضى ولا تبرير ولا تبخير. بعده يطرح السؤال الآخر: هل من مشروع بديل، على طريقة الاستتباع أو العودة إلى أوهام مسيحيي لبنان الكبير؟