بلى الزجاج الإيراني انكسر! – راجح الخوري – النهار

ايران لم تعد ايران التي عرفها العالم منذ ثلاثة عقود. وايران لن تعود ايران حتى ولو انتهت حركة الاحتجاج والتظاهر، وتم تثبيت رئاسة احمدي نجاد والتزمت المعارضة الصمت والهدوء.
السؤال الذي كان جائزا ومشروعا قبل أيام، وهو: "هل انكسر الزجاج الايراني، ام انشعر؟"، تجاوزته الاحداث الدموية الضخمة التي يسهر العالم على مراقبتها على مدار الساعة، وصار من المؤكد ان الزجاج الايراني انكسر وربما هو في طريقه الى السقوط.
عندما تؤكد مراجع من داخل النظام ان عدد الاصوات في صناديق الاقتراع فاق عدد الناخبين في 50 اقليما وبنسبة تجاوزت احيانا المئة في المئة، فان ذلك يسقط كل كلام قاله المرشد الاعلى علي خامنئي على شرعية هذه الانتخابات وعلى فوز احمدي نجاد.
اما عندما ترتفع اصوات مراجع دينية عليا في قم داعية الى الغاء هذه الانتخابات واعادتها، فان ذلك يشكل طعنا صريحا بكلام خامنئي، ولا يمكن ان يقوم طعن بكلامه وان يبقى ضمن الهالة التي يتميز بها او حتى في الموقع الاعلى التي يتبوأه.

❒ ❒ ❒
الهدوء النسبي الذي عرفته طهران امس لا يعني ان الاندفاعة الشعبية قد انحسرت. ربما يكون بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة. والحديث عن امكان وجود عاصفة مقبلة لا ينطوي على اي مبالغة. اولا لان مير حسن موسوي دعا الى مزيد من الاحتجاج والى الاضراب العام اليوم، ردا على ما سماه "الاكاذيب والتزوير"، مؤكدا "ان الاعتقال والقتل الجماعي سيخلقان صدعا بين المجتمع والقوات المسلحة"، وثانيا لان الحرس الثوري حذر من مواجهة المتظاهرين "بأسلوب ثوري"، وهذا قد يعني المزيد من الضحايا والدماء، وهو ما دعا خاتمي الى التحذير من عواقبه الوخيمة.
التلويح بملاحقة موسوي بتهمة التحريض على التظاهر لا يفيد مع رجل قال منذ ايام انه مستعد للاستشهاد في مواجهة الحرس الثوري والقمع: "انا لله وانا اليه راجعون".
والمضي في الاعتقالات التي تستهدف المتظاهرين لا يفيد ايضا. والتعتيم على ما يجري بخلق ستار حديدي، عبر اعتقال الصحافيين او منعهم من العمل لا يفيد امام اجهزة الاتصالات الحديثة بعدما تحول كل متظاهر مخبرا ومصورا صحافيا عبر هاتفه الجوال!




❒ ❒ ❒
اقامة المناورات البحرية على خلفية القول ان ما يجري في الداخل مؤامرة تسللت من الخارج لا يفيد ايضا. لان لا اعضاء "مجاهدي خلق" تسللوا من الخارج لتخريب الوضع، ولا اميركا او بريطانيا تدخلتا في هذا الامر التخريبي. صحيح ان هناك من يتمنى ان يحصل ما يحصل الآن في ايران واكثر، نتيجة السياسات واسلوب التحدي والتصعيد الذي نفذه محمود احمدي نجاد تحديدا، ولكن الامر يبقى مجرد تمنيات.
ثم ليس من مصلحة النظام ان يكرر القول ان "ثورة الداخل" صنعتها مؤامرات الخارج، لان ذلك يسقط عمليا كل ما قيل في الاعوام السابقة عن مناعة هذا النظام وصلابة الشعب في صونه والدفاع عنه. وما يجري الآن ليس عملية انزال فاشلة، على طريقة ما فعل الاميركيون في صحراء طبس اول الثمانينات، بل انه حركة جماهيرية شعبية واسعة تتجاوز الاعتراض على نتائج الانتخابات الى تحدي النظام.
فعندما يدعو المرشد خامنئي المواطنين الى قبول النتائج ويحذر من التظاهر ويخوِّن المتظاهرين، ثم تغرق شوارع طهران ومدن اخرى بالتظاهرات في اليوم الثاني، فان ذلك يعني بالتأكيد ان المسألة ليست مسألة اعتراض على الانتخابات فحسب.

❒ ❒ ❒
هناك في الواقع مجموعة واسعة من الانقسامات الجذرية ترتسم وراء الزجاج الايراني المكسور، في وقت يبدو الافق مقفلا على مزيد من التأزم.
واذا كانت التظاهرات قد بدأت تحت شعار مخملي اخضر، فان موسوي يدعو انصاره الى مزيد من الاحتجاج والى حمل شموع سوداء مربوطة باشرطة خضراء حدادا على الذين سقطوا  خلال الايام الماضية.
وهذا يعني ان ايران دخلت منعطفا دقيقا وحاسما، لا ينفع فيه تراجع النظام، وهو ما يعني ضمنا هزيمته، ولا ينفع فيه رفع نسبة القسوة وسحق التظاهرات، بما يسقط عنه صورة الطهرانية التي حرص دائما على اظهارها.