عندما يتحوّل الحدث الإيراني حدثاً لبنانياً بامتياز – إبراهيم الأمين – الأخبار

منذ زمن طويل، كان الحدث السوري حدثاً لبنانياً بامتياز، كما هي حال الحدث اللبناني في سوريا. لكن الحدث الإيراني احتل اليوم مقدمة الاهتمامات، لا عند السياسيين فحسب، بل عند الجمهور أيضاً، وخصوصاً أننا نشهد كفاءات غير متوقعة عند جهابذة 14 آذار من السياسيين والإعلاميين، في مقاربة ما يجري في إيران وتحليله ووضع سياقات له بما في ذلك تقديرات لخواتيمه، علماً بأن الآخرين من الطرف الآخر لا يظهرون خبرة أو معرفة من النوع الذي يمكن الاتكال عليه. إلا أن القاسم المشترك في كل ما يحصل، هو أن اللبنانيين أجادوا استحضار مشهدهم الداخلي وعكسوه على ما يجري في إيران لناحية التقسيمات السياسية بين الفريقين المتنافسين، علماً بأن البند الصحيح الوحيد في كل هذه المقاربة هو أن الغرب بكل ما يملك من أدوات ونفوذ يساعد طرفاً ضد طرف آخر، تماماً كما في لبنان، وإن كانت الأدوات مختلفة.
ماذا عن حسابات فريق الموالاة الآن؟

أولاً: إن أصحاب هذه الوجهة هم الذين يعتقدون أن «ثورة الأرز» باتت داءً مثل أنفلونزا الخنازير، وأنها سوف تصيب بالعدوى كل الثائرين الفائزين أو الخاسرين منهم في الانتخابات. وأن ما أنجزته هذه «الثورة» في لبنان وراكمته من «تجربة ثورية إصلاحية وتغييرية وسيادية فذّة» تحوّل إلى مدرسة لكل «أحرار العالم» ما عدا أولئك الذين يعيشون في السعودية ومصر والأردن وفلسطين «محمود عباس» وكل الجمهوريات الدائرة في فلك رواد الحرية في العالم، من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا.




ثانياً: إن أصحاب هذا الرأي يعكسون، من حيث يدرون أو لا يدرون، أن برنامج الأولويات لدى من يدير عقولهم يركّز على ما هو متصل بـ«الخديعة الكبرى» التي تجعل كثيرين من الناس يصدقون أن انقلاباً يحصل الآن في إيران، كما هم أرادوا أن يصدق العالم أن الشعب اللبناني يفضّل سمير جعجع وأمين الجميّل على ميشال عون، أو أنطوان سعد على إيلي الفرزلي أو عقاب صقر على إيلي سكاف، علماً بأنهم هم يعرفون أن ما قاموا به ليس إلا كذبة لا يمكن أن تتحول وقائع على الأرض، والخطير عندما يصدقون كذبتهم ويفكرون أن من حقهم حكم البلد لأنهم الأغلبية، فنعود عندها إلى مصائبهم التي عانت منها البلاد في الأعوام الماضية، والله أعلم إلى أين تسير البلاد.

ثالثاً: إن أصحاب هذه الوجهة لا يقدرون على غير الأمل في تغييرات كبرى تطيح خصومهم في لبنان والمنطقة، وهم عندما يتحدثون عن حيوية الشعب الإيراني وتوقه إلى الحرية من النظام القائم، يحاولون إقناع الناس بأنهم غيارى على هذا الشعب، بينما كل اهتمامهم هو في أن سقوط النظام في إيران يعني لهم أمراً واحداً، هو سقوط المقاومة في لبنان أو ضعف النظام في سوريا، أو تراجع محور المقاومة لمصلحة محور التعاسة والاستسلام.

رابعاً: إن أصحاب هذا الفريق يريدون أن يقنعوا ناسهم والآخرين بأن خضوعهم لإدارة الغرب بكل أدواته، إنما هو عمل واقعي وعقلاني، وليس من خيار آخر، وإن مواجهة الولايات المتحدة أو أنظمة التخلف التي تحكم السعودية ومصر ودول المحور نفسه، تعني الانتحار فقط، وإن الناس لا يتحركون في هذه البلدان لأنهم لا يعانون أزمة في الطعام والشراب والتنفس والحرية أيضاً، وإن الديموقراطية في السعودية باتت نموذجاً يحتذى به في كل العالم… هل جرؤ أو يجرؤ سياسي أو إعلامي واحد من هذه الفرقة على مساءلة صاحب المال في السعودية عن البرنامج التربوي لا عن أمور أخرى؟

خامساً: إن منظّري هذا الفريق أو مثقفيه على حدّ سواء، من الذين يملكون الحد الأدنى من المعرفة والتبصّر (ولو على قلّته) يحاذرون الذهاب بعيداً في تحليل الموقف، باعتبار أن تجاربهم ومقارباتهم تجعلهم غير مأخوذين بتحليلات فرقة الزجالة من الذين يتحدثون اليوم عن إيران كأنهم يتحدثون عن الثورة التي قامت في قرطبا ووضعت حداً للطموح الفارسي في المنطقة، علماً بأن هذه الفئة من «محبّي الحياة» في الجانب الآخر من عالمنا، تعتقد أنه لا مجال لأي تجربة تواجه إمبراطورية الغرب في الحياة. وبالتالي لا حياة لمن يتصل بها ولو على سبيل الأمل بقليل من العدالة.

سادساً: إن الحماسة الإضافية التي يتابعها المشاهدون لقناة مثل «العربية» أو للصراخ الذي يسيطر على كتبة «الشرق الأوسط» مثلاً، يدرك أن هناك من جرى تدريبهم على مهمة خصصت أولاً للبنان، لكن الأحداث لم تسمح بتجريبها، وخصوصاً عندما يتبيّن أن ما جرى في إيران من ردود فعل على نتائج الانتخابات، كان يراد أن يقوم بالطريقة نفسها وبحماسة وانفعال أكبر لو أتت نتائج الانتخابات في لبنان لمصلحة المعارضة، مع فارق أن الفرقة نفسها دربت على القول إن عشرات الألوف من عناصر الاستخبارات السورية هم الذين صوّتوا ورجّحوا كفة المعارضة. وكانت الدوائر الغربية نفسها، رسمياً ودبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً، ستنشط للقيام بالأمر نفسه القائم الآن في إيران، وكان المشهد يحتمل دموية إضافية من خلال قيام انتحاريين من تيارات عمياء بأعمال إجرامية ضد الآخرين.

ومع ذلك، فلا بأس من متابعة التجربة حتى حدودها القصوى، وكل ذلك لا يلغي فضيحة في الإعلام اللبناني والعربي لناحية النقص الحاد في تقديم صورة حقيقية عن الخلافات القائمة في إيران اليوم، حيث لم ينجح أحد في عرض صورة تقول للناس حقيقة الأرضية التي قام عليها الانقسام قبل أن ينشط «محبّو الحياة» هناك كما عندنا.