حركة الشعب الإيراني و تحرير الرؤوس الحامية – رضوان السيّد – المستقبل

أول ما ينبغي الانتباه إليه بشأن التطورات بإيران خلال الحملة الانتخابية للرئاسة وبعدها، أن الرؤوس "الحامية" للمشاركين والمراقبين من الخارج، لا تُفيد كثيراً أو قليلاً في الفهم، فضلاً على أن تكون معنية في متابعة التداعيات والآثار بالداخل الإيراني وفي الخارج الإقليمي والعالمي. فالذين يعتبرون أن الثورة الإسلامية أو حتى نظام "ولاية الفقيه" شارف النهاية، مخطئون قطعاً، كما أن الذين يقلّلون من شأن أحداث الاحتجاج على نتائج الانتخابات، مخطئون أيضاً. إن هذه الحركة الجديدة لفئات واسعة من الشعب الإيراني مهمة وكبيرة وخطيرة، ولأنها كذلك فينبغي أن لا تخضع للهوى والتسرع بالاتجاهين، في الفهم والتقويم والاستنتاج.

فالأحداث الاحتجاجية التي تراوح شعارات الجمهور فيها بين: "أين أصواتنا"، وبين التنديد بالديكتاتورية والاستبداد، تُشير في أحد أهم مستوياتها الى تأزم مزدوج في النظام: لجهة علائق نُخبه بعضها ببعض، ولجهة علائق النظام بفئات معتبرة من الشعب الإيراني. وقد ظهر هذا التأزم بوضوح في المناظرة الشهيرة بين الرئيس نجاد والمرشح موسوي، ثم في عشية يوم الانتخاب، واليومين التاليين. فلجهة العلائق داخل نُخب الثورة والدولة، بدت افتراقات قوية بين الشيوخ والمدنيين والعسكريين والأمنيين من حول السيد الخامنئي (ومن بينهم نجاد) من جهة، وفرقاء آخرين من نُخب الثورة والدولة بعضهم لا يزال في مؤسسات النظام، والبعض الآخر صار خارجها من مثل رفسنجاني وخاتمي وموسوي وكرّوبي ومحتشمي. ولأننا لا نعرف كثيراً عن الأهداف السياسية والاقتصادية المختلفة للفريقين أو الفرقاء، فيمكن اعتبار هذا الجانب من التأزّم بين نُخب النظام، صراعاً على السلطة، ربما تفاقم بسبب الطابع الاستبعادي خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد، لكنه بالتأكيد أقدم من ذلك، منذ تكوّن تيّارا المحافظين والإصلاحيين في التسعينات. وأعني بالتفاقم بروز اتجاهات متباينة داخل صفوف المحافظين (رضائي مثلاً في مواجهة نجاد)، وتمايُز الإصلاحيين بين متطرف ومعتدل. أما التأزم الأخطر فهو الحادث بين فئات واسعة من الشابات والشبان المتعلمين من فئات المجتمع الوسطى من جهة، وسادة النظام من شيوخ وعسكريين وأمنيين من جهة ثانية. وقد دأب النظام على استخدام حشود "العامة" المهلّلة طوال عهود الثورة، لبعث الإحساس بالتهيّب لدى الخارج، وإرعاب المتذمّرين بالداخل. لكنه في السنوات الأخيرة بالذات، غلب عليه الاستسهال فأسرف في استخدام الوسائل الأمنية لوزارة الداخلية والحرس الثوري؛ فزاد ذلك من سُخط المتذمّرين وخروجهم أو انشقاقهم. وإذا لم تكن الفروق السياسية والاقتصادية واضحة بين أطراف النظام المتنافسة أو المتصارعة، فإن مطالب الفئات الوسطى الشابة في منتهى الوضوح: الحريات السياسية والاجتماعية، والتطور الاقتصادي، وحكم القانون ومكافحة الفساد. وقد ظهرت تلك المشكلات في التسعينات وهي التي مكّنت الإصلاحي محمد خاتمي من الوصول الى سُدّة الرئاسة بأغلبية كبيرة ولفترتين، لكنه ما استطاع ـ باعترافه ـ أن يصنع شيئاً للحريات من خلال "الديموقراطية الإسلامية"، ولا للتنمية الاقتصادية من خلال "ثورة التنمية والتقدم"، ولا في العلاقة مع العالم من خلال "حوار الحضارات". وحَسَمَ وقتها "مُرشد الثورة" أمره (2004 ـ 2005) لصالح "التوجهات الأولى والأصيلة" للثورة كما قال، فجاء بنجاد مستبعداً نديّة رفسنجاني. وتهمّش دور مجلس الشورى أيضاً بسيطرة المحافظين فيه، وانضم الجهاز القضائي الى الأجهزة الأمنية في الضغوط على النُخب الثقافية والدينية والإعلامية، وجرى التركيز في تثبيت "شرعية" النظام على الملف النووي، وامتداد النفوذ الإيراني في الخارج، ومصارعة الولايات المتحدة. وكلها مسائل إن كانت تُثير إعجاب العامة وفخرها؛ فإنها لا تُرضي طموحات حتى "المثقفين الثوريين". ولذلك كانت شعارات المرشحين في الانتخابات الرئاسية كلها داخلية، بينما ظل نجاد (والمرشد من ورائه) يُشيد بالبساطة والطهورية والقيم الثورية، ويمضي مباشرةً من تلك القيم الى الملف النووي والانتصارات على أميركا وإسرائيل. وعندما اضطر في مناظرته التلفزيونية مع مير حسين موسوي للحديث في الشؤون الداخلية، انطلق شاتماً رفسنجاني وفساد أولاده، وناعياً على إمرأة موسوي أنها تشارك في الحملة الانتخابية لزوجها رغم أنها تحمل شهادات جامعية غير شرعية!




إن المقصود من وراء هذا كله ليس التسخيف أو اعتبار الأمر واضحاً ومحسوماً؛ بل التقدير أن "الصراع على السلطة" بين نُخب النظام يمكن أن يجد حلاً قريباً. لكن الافتراق بين جمهور الفئات الوسطى والنظام لن يجد حلاً قريباً. ذلك أن الانطلاق باتجاه الحريات وحكم القانون والتطور الاقتصادي؛ كل ذلك يقتضي تغييراً كبيراً يعجز النظام ببنيته الحالية عن القيام به.
أما المستوى الآخر الذي يستحق التأمل فهو هذا النظام في إيران، وهو أول أنظمة الإسلام السياسي في العالم الإسلامي. فصيغة "ولاية الفقيه" والتي هي القالب الشيعي لنظرية "الحاكمية" لدى الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية الباكستانية بزعامة المودودي، تعطي المشروعية للنظام السياسي من خلال إقامته على الدين أو الشريعة التي يتولى الفقيه (بحكم ولايته الموسّعة أو العامة) الإشراف على تطبيقها. ويمكن القول إن هذا النهوض الإسلامي الشيعي انضبط بوصول إسلامه السياسي الى السلطة في دولة إسلامية كبرى ذات أكثرية شيعية. أما الأصولية السنية الجديدة، وبسبب العجز عن الوصول الى السلطة والحاكمية (باستثناء التجربتين البائستين في السودان وغزة؟!)؛ فإنها انشقت الى تيارين: عنيف عنفاً مباشراً أنتج انتحاريات كبرى إقليمية وعالمية، وجاهيري واسع يريد تحقيق "الدولة الإسلامية" بأسلوب الثورة في إيران، أو بالمشاركة في انتخابات الأنظمة ومؤسساتها. ولا شك أن الأربعين عاماً الماضية شهدت اتخاذ العالمين العربي والإسلامي مسرحاً لهذا الانتشار الواسع في فكرة الثورة الإسلامية لتحقيق الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة، وإيران أبرز ظواهرها.

إن الأحداث الحالية بإيران، تُظهر مشكلات قوية وبنيوية في هذا الإسلام السياسي الجماهيري والنضالي، وخصوصاً أن العقد الأخير شهد ظهور نموذج آخر لسياسيات الإسلام، في تجربة حزب العدالة والتنمية بتركيا. ويغلب على الصيغة التركية للإسلام السياسي التركيز على الطابع الشعائري والرمزي والفردي للإسلام، دونما استخدام مباشر للخطاب الإسلامي في الشأن العام أو في السياسة الخارجية. وهناك تلاؤمية كبرى لدى هذا الإسلام مع تنظيمات الدولة الحديثة، ومع الاتجاه الأوروبي في التنظيم السياسي، والتطوير الاقتصادي، والعلائق بالمجتمع الدولي. وما ظهرت للتجربة التركية جاذبية كبيرة في العالم الإسلامي حتى الآن لأنها حديثة الوجود من جهة، ولأنه "لا نضالية ملحمية" واستشهاد وهياج جماهيري فيها.
بيد أن تجربة "الإسلام السياسي" في صيغتها الحاكمية والولائية، تتعرض ولا شك لأزمة عميقة في بُناها النظرية والعملية وتنظيماتها وعلائقها بالجمهور.
وتتشارك الظروف والسياقات المحلية والإقليمية والعالمية في التأثير باتجاه التغيير. وهو تغيير بدأ بالفعل في التوجهات الفكرية والثقافية، لكنه ما وصل بعد لإحداث تطور كبير في البنى التنظيمية والدولية لدى الإسلاميين في السلطة وخارجها. وقد لا تمضي التطورات التغييرية باتجاه النموذج التركي، لاختلاف السياقات والتجربة الحديثة مع "الإسلامية الجديدة" لدى الأُمم الثلاث الكبرى المتجاورة: العربية والإيرانية والتركية، لكن الرؤى الأصولية والبنى السلطوية لدى الإسلاميين الإيرانيين والعرب تتعرض للتصدع تحت وطأة السياقات العالمية، وإعراض الجمهور الشاب عنها.

إن الحبر الكثير الذي سال في الكتابة عن الثورة الإسلامية في إيران، سيسيل أكثر منه في الحديث عن التطورات الحادثة والتي يمكن أن تحدث. ما انتهى الإسلام السياسي ولن ينتهي، لكن مفكّريه وروّاده إن أرادوا أن يكون له مستقبل معتبر، فينبغي إحداث تغيير كبير إصغاء وتطويراً وإعراضاً عن أفكار ورؤى التفرد والبدائلية، ورحم الله الطريق الثالث، والبديل الإسلامي، ولا شرقية ولا غربية.