جاءت على الكاسيت.. فهل تذهب بالموبايل؟ – مأمون فندي – الشرق الاوسط

جاءت الثورة الإيرانية محمولة على أشرطة الكاسيت، التي كانت تصدح بخطب الإمام الخميني، وتحرض الإيرانيين على التمرد وإسقاط الشاه. وعلى ما يظهر من تصعيدات الداخل الإيراني، فإن الثورة التي جاءت في الأمس على الكاسيت، يبدو أنها ستذهب بالموبايل، الذي يستخدمه المتظاهرون في شوارع طهران ومدن إيران الكبرى، لتوثيق حالة الغليان التي تجتاح البلاد، صور يرسلونها عبر الإنترنت إلى كل العالم، ويقف رجال الثورة القادمون من عصور ما قبل الإنترنت عاجزين أمام استخدام الشباب للمقاومة الإلكترونية. الأنظمة الثورية كالأطعمة المعلبة لها مدة صلاحية، ويبدو أن الإيرانيين قد أدركوا اليوم أنهم أمام نظام قد انتهت صلاحيته، وأن قبوله بشكله الحالي هو أقرب إلى تناول طعام فاسد.

النظام أيضا يبدو مضطربا أمام إعلان الشباب في الشوارع أن صلاحيته قد انتهت. فصور الموبايل التي نقلت الاحتجاجات التي قادتها قوى المعارضة في إيران، هي التي أربكت المرشد الأعلى، وظهر هذا جليا في خطبة الجمعة الماضية، التي ألقاها الولي الفقيه على الجمهور، خطبة فيها تهديد للمعارضة بإراقة الدماء، وفيها خصومة مع الإعلام الغربي خصوصا، وفيها أيضا ترغيب واسترضاء لرئيس مجلس الخبراء هاشمي رفسنجاني، الذي بيده، ومن معه ممن يشاطرونه الرأي في هذا المجلس، صلاحية إقالة المرشد الأعلى للثورة، واستبداله بمرشد آخر. عندما ذكر خامنئي اسم رفسنجاني في خطبة الجمعة، وهو أمر نادر الحدوث، أبعد عنه تهمة الفساد، ووصفه بالرجل الذي ضحى بماله من أجل الثورة، ووصفه بالرجل الصديق ليس اليوم وإنما منذ أكثر من خمسين عاما. مديح رفسنجاني من قبل المرشد في خطبة الجمعة ليس بريئا، وإنما هو رشوة لإثنائه عن القيام بأي محاولة لإقصاء المرشد الأعلى. دخول رفسنجاني في صفوف المعارضة، وهو الرجل الذي يرأس مجلسا من صلاحياته إقالة المرشد، يوحي بأن المرشد الأعلى خائف، وليس قويا كما حاول أن يظهر في عبارات تهديده القوية للمعارضة.




يبدو أن الأمر قد خرج عن السيطرة في إيران، وأنه لا المرشد ولا حتى قيادات المعارضة يسيطرون على الشارع، ومن الوارد أن تخلق حركات الاحتجاج هذه قياداتها الجدية الجديدة، وبهذا يتجرع النظام الإيراني من السم نفسه الذي سقاه للشرعية اللبنانية والفلسطينية وربما العراقية، حيث نجحت إيران أن تخلق فيها فكرة الدولة الموازية، بعد أن قسمت المجتمع إلى معارضة ثورية وحكومات عميلة. اليوم إيران ذاتها تنقسم إلى نظام متسلط ومعارضة. لقد كنا في السابق نقول إن إيران تؤثر في لبنان، ولكن من الواضح اليوم أن لبنان يؤثر في إيران أيضا، فنرى احتجاجات واعتصامات في شوارع طهران بعضها يؤيد أحمدي نجاد والمرشد، والبعض الآخر يؤيد موسوي والمعارضة، شيء أشبه باعتصامات «حزب الله» وجماعة 14 آذار في ساحات بيروت. إيران انقسمت اليوم إلى ما يشبه 14 آذار و8 آذار بين المرشد وموسوي، كما لبنان منقسم بين سعد الحريري، وحسن نصر الله. نحن أمام ميلاد حالة الدولة الموازية في إيران، ولكن المجتمع الدولي سيتعامل معها بطريقة معاكسة تماما لتعامله مع «حزب الله» و«حماس»، فبينما يرفض المجتمع الدولي التعامل مع الدولة الموازية في فلسطين ولبنان، سنراه يحتضن ويدعم الدولة الموازية في إيران.

إيران انتقلت من عالم الصوت المتمثل في الكاسيت، وفي خطب رجال الدين القادمين من العصور القديمة، إلى عالم الصورة التي يكون الموبايل أداتها الأهم، التي تحمل إيران إلى العالم وتأخذ العالم إلى إيران. بعضنا مغرم بالميديا الكبيرة كالتلفزيون والإذاعة والفضائيات، لكن جوهر الثورة في مجتمعات العالم الثالث يكمن في الميديا الصغيرة، الكاسيت في فترة السبعينات والثمانينات، والموبايل منذ التسعينات وحتى اليوم. ولهذا أسبابه الخاصة المرتبطة ليس بالتكنولوجيا بقدر ارتباطها بطبيعة الاتصال في هذه المجتمعات. ففي مجتمعات العالم الثالث، وإيران منها، يفقد الإعلام الجماهيري مصداقيته، ويلجا الناس إلى التواصل المباشر بينهم كأفراد، من النقطة ألف إلى النقطة باء. هذا النوع من التواصل هو المسيطر، حيث يقرأ الناس الأخبار في الجريدة، ثم يتصلون بأقاربهم في وزارات الحكومة المختلفة أو مؤسساتها لكي يتأكدوا ما إذا كان الخبر صحيحا أم لا. عالم لا يصدق الأشياء المعلنة للجميع، فلكي يثق الفرد بالمعلومة، يجب أن يخصه بها فرد آخر. أما التلفزيون والجريدة فهما جزء من عالم مجرد، يصدق الناس بعضه ويكذبون أكثره.

ومع ذلك يجب أن نكون حذرين في حديثنا عن دور التكنولوجيا الصغيرة في التغيير السياسي والاجتماعي في إيران، إذ لا بد أن نركز على إيران لا على التكنولوجيا. فقد وقع في الخطأ ذاته باحثون غربيون حاولوا دراسة التكنولوجيا في العالم العربي، حيث ركزوا على التكنولوجيا وتجاهلوا ثقافات العالم العربي وتاريخه وطبيعة مجتمعاته وأبعاده البشرية. ويكاد يفعل البعض الشيء نفسه مع إيران اليوم.

الأساس في فهم ما يحدث في إيران هو ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بقدر ما هو فهم علاقة التواصل الإعلامي بالثقة الموجودة بين حكومة ما والشعب، الذي تحكمه. فواضح من الاستخدام المكثف للميديا البديلة في المظاهرات الإيرانية، أن الشعب فاقد للثقة في الإعلام الرسمي، وجزء من فقدان الثقة هذه يرجع إلى الطبيعة السلطوية لنظام الولي الفقيه، والجزء الآخر يعود إلى أن ايران، مثلها مثل كل بلدان العالم الثالث، هي مجتمعات ما قبل الحداثة، لا تثق في المعلومة إلا من خلال التواصل المباشر، أي أن يعرف الفرد من يحدثه، ويثق فيما يقوله عن خبرة.

فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع ليست خصوصية إيرانية، ففي العالم العربي، مثلا، وبعد هزيمة عام 1967، فقدت الشعوب العربية ثقتها بالإعلانات الرسمية، سواء أكان مصدرها المحطات الإذاعية أو المطبوعات أو محطات التلفزة، لأنها أفاقت على هزيمة ثقيلة لم تسمع بها إلا من مصادر أجنبية، مثل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». بينما كانت كافة الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون العربية تحذو حذو إذاعة «صوت العرب» المصرية، التي أخبرت الجماهير العربية بأن جيوشها قد سحقت الجيش الإسرائيلي وألحقت به هزائم نكراء.

وأقصد بالثقة ثقة الشعب في مؤسسة أو شخص يعتبرونه وفيا لالتزاماتهم واعتمادهم عليه. لكن معنى الثقة وأنظمة التدقيق تختلف من مجتمع إلى آخر، فالثقة في المجتمعات التقليدية تعتمد على التفاعل وجها لوجه، وعلى نظام خاص للتدقيق. لكن فيما تصبح العلاقات أكثر تعقيدا، وينتقل الأفراد من هذا المقلب من الأرض إلى المقلب الآخر، يتم استبدال أنظمة التدقيق وجها لوجه بمؤسسات وآليات أخرى. والواقع أن أسس الثقة الحديثة تشكل نقاط اتصال بأنظمة الخبراء، حيث اللقاءات وجها لوجه تلاقي التزاما لا وجه له. وهذه الثقة المبنية على أنظمة الخبراء، هي التي تجعلنا واثقين من أن سياراتنا لن تتعطل طالما أننا نتبع كتيب الصيانة. وهي نفسها الثقة التي تجعل حتى أعداء الولايات المتحدة يثقون بالدولار الأميركي وبالالتزام المؤسساتي للحكومة الأميركية، لجهة ضمان هذا الرمز التبادلي.

أغلب الإيرانيين، على ما يبدو، فقدوا ثقتهم في نظام الولي الفقيه، وفي أجهزة اتصاله، فاستبدلوا تلفزيونات الدولة وإذاعاتها بالموبايل، كما استبدل الخميني إذاعات الشاه بالكاسيت. وما فعله الخمينيون بالشاه عن طريق الكاسيت، يفعله اليوم الشباب المحتجون بنظام الملالي، ولكن عن طريق الموبايل هذه المرة. قصة إيران ستبقى محكومة بالميديا الصغيرة، وقد فقد مرشد الثورة البوصلة عندما وجه اتهاماته للميديا الكبيرة المتمثلة في الفضائيات العالمية، بينما الثورة المضادة يصنعها الموبايل في شوارع طهران ومن فوق أسطح منازلها.

في خطاب يوم الجمعة الماضية، بدا المرشد مضطربا ومرتبكا، فحذر واستعدى واسترضى. حذر عندما قال بأن المتظاهرين وقيادات المعارضة يتحملون مسؤولية العنف وإراقة الدماء، وهو بهذا يعني أن الحرس الثوري سيطلق النار على المتظاهرين إذا ما عاودوا احتجاجاتهم. استعدى المرشد الإعلام الخارجي، الذي رآه كجزء من مؤامرة دول غربية على إيران. واسترضى رئيس مجلس الخبراء هاشمي رفسنجاني، عندما ذكره بالاسم وأبعد عنه تهمة الفساد، مما يوحي بأن المرشد الأعلى قد تملكه الذعر من أن يستبعد ويقال، وهذه واحدة من علامات النهايات.

الثورة الإيرانية على ما يبدو قد فقدت صلاحيتها بعد ثلاثين عاما، مثلها مثل الأطعمة المعلبة، وكانت بلا شك تفوح من خطبة الولي الفقيه رائحة انتهاء الصلاحية. فهل الثورة التي جاءت على كاسيت في طريقها إلى الرحيل عبر الموبايل؟!