ماذا يعيد برّي إلى رئاسة المجلس؟ – نقولا ناصيف – الأخبار

يُغرّد حزب الكتائب والقوات اللبنانية وأفرقاء مسيحيّون آخرون في الموالاة خارج سرب استحقاق رئاسة المجلس. تارة يتحفّظون عن إعادة انتخاب الرئيس نبيه برّي ولاية جديدة على رأس البرلمان، وطوراً ينادون بحصولهم منه على تعهّدات حيال دوره في هذا الموقع. لكن المشكلة أبسط من ذلك بكثير عند الشريكين الأشد فاعلية في هذا التحالف، وهما النائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري، اللذان يريدان الذهاب إلى انتخاب برّي بلا شروط. بل يجدان في تأييده حاجة ملحّة لرعاية استقرار ما بعد انتخابات 7 حزيران.
إلا أن إعادة انتخاب برّي تقترن بأسباب شتى:

1 ـــــ أن رئاسة المجلس، كرئاسة الحكومة، استحقاق الطائفة التي عُهد إليها بهذا المنصب، الأمر الذي يحول دون تجاوز قرارها في الخيار الذي تُجمع عليه. ولأن الأمر كذلك، لا يدخل ترشيح رئيس المجلس في حساب الغالبيات والأقليات، إنما ينبثق من قاعدة ثبّتتها انتخابات 2005 وستعيد تأكيدها نتائج انتخابات 2009، وهي أن يكون القرار لمرجعيات الطائفة الشيعية وتوافق عليه الطائفة السنّية بمعزل عن موقع هذه أو تلك في نظام الأكثرية والأقلية. تصحّ القاعدة نفسها على رئاسة الحكومة التي لا تكتفي لتسمية الرئيس المكلف بتأييد غالبية نيابية له كي يُصدر رئيس الجمهورية مرسوم تعيينه، بل لا بد من الحصول على تأييد كامل من طائفته. وسواء عُدّ هذا التصرّف، في رئاستي المجلس والحكومة، مخالفاً للدستور أو تجاوزاً للديموقراطية، يستمد شرعيته من المرجعية التي يتعيّن أن يمثّلها المنصب.
صحّ ذلك أيضاً عندما استقال الوزراء الشيعة الخمسة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة السابقة عام 2006، فلم يخطر له قبول استقالاتهم، ولا تعيين بدلاء منهم لا يحظون بشرعية تمثيلهم الطائفة، واعتبرهم لأكثر من سنة ونصف سنة غائبين عن مجلس الوزراء كي يستمر غطاء طائفتهم في صلب شرعية حكومته. وكاد يصحّ ذلك لو ربحت المعارضة انتخابات حزيران، إذ لن يسعها، بأكثريتها المفترضة، إلا تسمية الحريري رئيساً للحكومة ما دام هو الخيار الوحيد لطائفته.
في الغالب تتوافق الطائفتان السنّية والشيعية على الخيار حتى في ذروة انقسامهما وانصرافهما إلى خيارات متناقضة، كما حصل بعد 8 و14 آذار 2005. في انتخابات رئاسة المجلس يوم 28 حزيران 2005، حاز برّي 90 صوتاً من 128 نائباً اقترعوا له مثّلوا أكثر من ثلثي البرلمان المنتخب، وشكّل النواب الشيعة والسنّة والدروز، والنواب المسيحيون المنتخبون في لوائح برّي وجنبلاط والحريري، الثقل الفعلي. وُجدت في صندوقة الاقتراع 37 ورقة بيضاء، منها 21 أسقطتها كتلة العماد ميشال عون ممثّلة لغالبية مسيحية لم تخلخل هذا الانتخاب ولا أضعفته. ورغم أن عون كان على طرف نقيض مع التحالف الرباعي، اختار الاقتراع بأوراق بيضاء لا بمرشح بديل، كان من المتعذّر إيجاده حتى في أوساط فريق الأكثرية، وفي صفوفها نائبان شيعيان فقط.




2 ـــــ مذ جعل اتفاق الطائف ولايته مطابقة لولاية المجلس، وقيّد طرح الثقة به بعد سنتين بغالبية الثلثين، رغم أن انتخابه يكتفي بالأكثرية المطلقة، أضحى رئيس المجلس شريكاً فعلياً في السلطة ومعنيّاً باستقرار النظام، ثبّتت سوريا إبان وجودها في لبنان معادلة المثالثة في الحكم كي تضمن مرتكز استمرار دورها من جهة، وإدارة التوازن مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من جهة أخرى. ومع أن الرؤساء الثلاثة، على مرّ عهدي الرئيسين إلياس الهراوي وإميل لحود، كانوا حلفاء أقوياء لدمشق، إدارت هذه خلافاتهم لتكريس قاعدة جوهرية لفاعلية سيطرتها على لبنان لا تستقيم برئيس الجمهورية وحده، ولا بأحد الرئيسين الآخرين، بل بمعادلة تناقض أدوارهم وصلاحياتهم أحياناً، وتفاهمهم في أحيان أخرى. فإذا برئيس المجلس بعد انتخابات 1992 رئيس أكبر كتلة في البرلمان، ثم في السنوات التالية حتى انتخابات 2009 رئيس إحدى أكبر الكتل. وإذا برئيس الحكومة (الرئيس رفيق الحريري) منذ انتخابات 1996 ثم في انتخابات 2000 رئيس أكبر كتلة نيابية كي تتوازن قوتا الرئيسين، وكي يشكلا بوزرائهما ثلثي الحكومات المتعاقبة على مرّ الحقبة السورية. وسرعان ما أفضت انتخابات 2005 و2009 الى النتائج نفسها.

3 ـــــ رغم أن النظام الداخلي للمجلس ينيط برئيسه صلاحيات محدودة، تجعله الأول بين متساويين لإدارة جلساته وتمثيله والتكلم باسمه وتطبيق أحكام الدستور والقانون فيه، يستمد رئيس المجلس موقعه الفعلي من دوره. كان رئيس البرلمان قبل اتفاق الطائف رئيس الغالبية النيابية الموالية لرئيس الجمهورية، القادر بدوره على فرض مشيئته على رئيس المجلس الذي كان يُنتخب سنة بعد أخرى، فلا يؤتى الى المنصب إلا بمن يستهويه هذا الدور . عُدّ صبري حمادة رجل عهود بشارة الخوري وفؤاد شهاب وشارل حلو، وعادل عسيران رجل عهد كميل شمعون، وكامل الأسعد على امتداد 15 سنة بلا انقطاع رجل عهدي سليمان فرنجية والياس سركيس حتى أسقطته سوريا بالتفاهم مع الرئيس أمين الجميل عام 1985. أول رئيس برلمان يسقطه قرار خارجي، وكاد يتكرّر الأمر عام 2005 لو أفلحت جهود السفير الأميركي جيفري فيلتمان، القليل الإلمام حينذاك بالوضع اللبناني، مع الحريري وجنبلاط لإطاحة برّي.

بعد اتفاق الطائف تغيّرت عناصر استقرار النظام، فلم تعد تقتصر على رئيس الجمهورية. كان ذلك في صلب وصف برّي حكومة السنيورة بأنها غير ميثاقية، فأوصد دونها أبواب المجلس. في ما بعد، أعطاه جنبلاط حقاً سياسياً لا دستورياً في ما فعل. ولهذا السبب ربما انتبه باكراً، ثم لاقاه الحريري، الى مغزى تأييدهما الإجماع الشيعي على انتخاب برّي.