صراع رجال الدين في طهران – عبد الرحمن الراشد – الشرق الاوسط

أولا ليس جديدا الصراع على الحكم بين رجال الدين منذ إسقاطهم نظام الشاه في مثل هذا العام قبل ثلاثين سنة تحت عناوين محاربة الدكتاتورية والفساد. أول القصص الشهيرة فرار الحسن بني صدر، أول رئيس وزراء في عهد الثورة، إلى الهرب في جنح الظلام إلى خارج إيران، مع أنه كان الابن المدلل للقائد آية الله الخميني. لم يفعل بني صدر ما يستحق إقصاءه من منصبه، باستثناء أنه كان في دائرة الصراع على السلطة بين الآيات. الصراع استمر تحت السجادة طوال العقود الثلاثة، وكان الوحيد الذي حاول فتح فمه علانية داخل النظام آية الله منتظري، لكن سرعان ما تم وضعه تحت الإقامة الجبرية. منتظري خرج عن صمته وشارك هذه المرة بالتصويت والتعليق العلني فيما يبدو ضد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

في صراع اليوم بين رجال الدين سالت الدماء في شوارع طهران، على الأقل سبعة قتلى. ونشر غسيلهم على تلفزيون الحكومة بشكل لم ير أحد مثله من قبل، يتهمون بعضهم بعضا بالفساد والتسلط والغش. والسباب مستمر بين الآيات والمشايخ وطلاب العلم والأتباع ولن يمكن إيقافه فهذا هو الطبيعي بين السياسيين. بالتأكيد هم رجال وهؤلاء رجال، ورجال الدين مثل غيرهم ليسوا معصومين من النوازع والأخطاء البشرية، باستثناء أن مقامهم الاجتماعي يحاسبهم بشكل استثنائي عن البقية من العاملين في الحقل السياسي أو الحكومي.




إن تلهف أهل الشأن الديني للعمل السياسي المباشر هو الذي سمح للآخرين بإلقاء الوحل عليهم لأن هذه طبيعة السياسة، وما سمعه الإيرانيون في تلك المناظرة بين الشيخ مهدي كروبي والرئيس أحمدي نجاد من تبادل للاتهامات بسرقة الأموال وإساءة استخدام السلطة عادة لا يقال حتى في الشوارع الخلفية ضد رجال الدين. وكان رجال الدين يحتمون من قبل بترديد أن لحوم العلماء مسمومة، بمعنى أنه لا يجوز استغابتهم أو الحديث بسوء عنهم، وينسون اليوم أنها حماية مشروطة بالمكانة والوظيفة التي يضعون أنفسهم فيها. فهم عندما ينخرطون في الصراع المدني تصبح لحومهم هامبرغر تؤكل مثل لحوم غيرهم. ولو دخلوا عالم الرياضة سيلقون من الرفس والضرب مثل بقية اللاعبين. بسبب دخولهم عالم السياسة سقطت عصمتهم، وتراجع احترامهم، بل عمت الإساءة الجميع حتى رجال الدين الذين عفوا عن العمل السياسي، فهم يشعرون بأن المهانة طالتهم بسبب ترديد اتهامات ليسوا طرفا فيها بالسرقة والكذب والتزوير والتسلط.

وهذا درس حي على الهواء لكل الجماعات الدينية التي يغريها العمل السياسي، لا الاكتفاء بقيادة المجتمع روحانيا، عملها التخصصي. فمن يريد السباحة في المستنقع السياسي عليه أن يحتمل أوساخه، بما يعنيه ذلك من كسر الهالة الدينية التي يحيط بها رجال الدين أنفسهم، وما يعنيه من تشجيع الآخرين عليهم. هذا ما حدث للكنيسة الأوروبية التي كانت تدير السياسة لا العبادات فقط حتى فاحت رائحتها، وصار إقصاؤها مطلبا شعبيا، وهكذا تم إغلاق باب الكنيسة عليها.

من منا كان يتصور أن يرى اليوم الشعارات المرفوعة في مظاهرات ساحة الشهداء في طهران هي نفسها التي كانت مرفوعة في آخر أيام الشاه، «فلتسقط الديكتاتورية»؟