سياسة الأيدي الممدودة:التعايش المزدوج – رفيق خوري – الأنوار

شعارات المعركة الانتخابية تتساقط من قبل ان تكنسها البلديات. وليس ذلك خارج الحسابات التي تقضي بالتبدل السريع للمناخ والخطاب السياسي: من الحدّة والتخوين وتكبير المخاطر في الحملات الانتخابية الى التهدئة واعطاء الأولوية للحديث عن الفرص بعد اعلان النتائج. فما أكدته نتائج الصناديق هو تبدّل المزاج المسيحي، لا في اتجاه المزيد من التعلق بالزعامة الأحادية على طريقة السنة والشيعة والدروز بل في اتجاه العودة الى تعددية الزعامات. والدرس أمام هذه الزعامات هو ان ما يقدمه التحالف مع السنة ومعاداة الشيعة، والتحالف مع الشيعة ومعاداة السنة، مجرد أرباح تاكتيكية وشخصية على حساب الرؤية الاستراتيجية للحضور المسيحي وحاجة لبنان اليه في دور(الكاتاليست) بين الطوائف.

والذين خاضوا المعركة بشعار الخيار بين الدولة والدويلة (أو دولة ولي الفقيه) يتحدثون الآن عن التعايش بين الدولة وسلاح المقاومة بالحوار. والذين خاضوها بشعار الخيار بين مشروع المقاومة و(المشروع الأميركي) يتحدثون اليوم عن التوافق والضمانات التي تخرج السلاح من الجدل. والكل يعرف ان الحسم بفوز قوى 8 آذار لم يكن قابلا للحدوث. ولا أحد يستطيع تحمل تبعات ما بعده، لا حزب الله القائد الفعلي لتلك القوى، ولا الوضع اللبناني ولا اللعبة الإقليمية والدولية. فاللعبة في الداخل والخارج، وسط التوجه الأميركي للحوار مع ايران وسوريا وتسوية الصراع العربي – الاسرائيلي، كانت تقضي بفوز قوى 14 آذار. ولا شيء يضمن (الستاتيكو) المطلوب خارجياً والمريح للقوى الداخلية سوى أن تبقى الأكثرية في يد 14 آذار.
ومن الطبيعي أن تكون سياسة الأيدي الممدودة هي (أمر اليوم). فنحن محكومون بالتعايش المزدوج في هذه المرحلة: التعايش داخل السلطة بين القوى الداخلية بعد تلطيف أهدافها. والتعايش بين أميركا وفرنسا وسوريا والسعودية ومصر وايران في الوضع اللبناني المفتوح على الوضع الإقليمي والدولي. لكن مد الأيدي بداية، لا نهاية. اذ حتى الملاكمة تبدأ بالمصافحة بين الملاكمين. والأيدي الممدودة بعد الانتخابات للتعاون في تأليف الحكومة وأمور أخرى محكومة بعملية الأخذ والعطاء. شيء من التنازلات المتبادلة. وشيء من التمسك بأوراق يصعب التخلي عنها.
ولا أحد يعرف كيف تتبلور الأمور. فالخطاب الهادئ حمل اشارات الى مواقف صلبة بعضها مخالف لاتفاق الطائف. والكلام على أن 7 حزيران طوى صفحة ما قبله هو رهان متسرع، لأن اللغة القديمة في الصفحة الماضية لا تزال حية ترزق. واذا كان الاهتمام الدولي بانتخاب البرلمان اللبناني قد بدا أكبر من الاهتمام بانتخاب البرلمان الأوروبي في اليوم نفسه، فإن السبب هو القلق حيال خطورة الوضع اللبناني والاطمئنان الى ثبات الوضع الأوروبي.
والمهم هو ماذا نكتب على الصفحة الجديدة وكيف نعود الى الاهتمام بأمور الناس.