مراجعة النفس تفيد – جهاد الخازن – الحياة

الانتخابات تنتهي بفائز وخاسر، ولن أحاول أن أفلسف معنى الفوز والخسارة، ولكن أزعم أن الناخبين في كل بلد، ولبنان ليس استثناء، يصوتون ضد حزب أو مرشح أكثر مما يصوتون مع حزب أو مرشح.

ما أحاول أن أقول هو أن تحالف 14 آذار ربما فاز ليس لأن الناخبين يؤيدون سياسته، بل لأنهم يعارضون سياسة الفريق الآخر.




ثمة أسباب كثيرة قد تبعد الناخب عن 14 آذار، ثم يجد هذا الناخب أسباباً أكثر للابتعاد عن 8 آذار، فيصوت لمرشح منطقته من الغالبية لأنه لا يريد أن يدخل مرشح المعارضة البرلمان.

إذا كان رأيي هذا صائباً، أو قريباً من الصواب، فلعل المعارضة تراجع مواقفها المعلنة وبرامجها ومطالبها في السنتين الأخيرتين لترى ما أقلق الناخب حتى ابتعد عنها، ومراجعة النفس تفيد أكثر من اتهام هذا الفريق أو ذاك ومحاولة تجيير الخسارة لطرف ثالث، لأنها قد تؤدي الى علاج الخلل الذي تسبب في الخسارة، ما يفتح الطريق أمام فوز في المستقبل، وقد كانت التصريحات المتبادلة بعد الانتخابات إيجابية ومشجعة.

كل ما سبق لا يلغي أن فريقاً فاز وينتظر منه أن يشكل حكومة. والديموقراطية لا تستحق اسمها إذا لم تكن حكم الغالبية، غير أن لبنان غريب عجيب، وديموقراطيته مفصلة على قياسه فقط، لذلك فهو يحتاج الى توافق أبنائه، فلا يحكم فريق ويتحكم بالفريق الآخر. وهذا الكلام يعني أن القرارات اللاحقة لا تعبر عن رأي غالبية الشعب بل عن ضرورة احتواء الفريق الخاسر، ما يعطي الأقلية «فيتو» على قرارات الغالبية، والنتيجة لا قرار في أهم الأمور التي تؤثر في مستقبل البلاد.

هناك دول عالجت اختلال التوازن بين كبير وصغير، أو بين قوي وضعيف، إلا أن ما ينطبق عليها لا ينطبق على لبنان الذي تجعله تركيبته الطائفية وموقعه الجغرافي وعلاقاته الخارجية نسيج وحده بين الدول، في الولايات المتحدة هناك مجلسان في الكونغرس، واحد للنواب وآخر للشيوخ، ومجلس النواب فيه 435 مقعداً، والتمثيل بحسب عدد سكان الولايات، فولاية ديلاوير، وسكانها 853 ألف نسمة، لها نائب واحد، وكاليفورنيا، وسكانها 34 مليوناً، لها 53 نائباً. أما مجلس الشيوخ فيضم مئة عضو، بمعدل عضوين عن كل ولاية، أي عضوين لديلاوير الصغيرة، وعضوين لكاليفورنيا كلها.

هذا النموذج يصلح للولايات المتحدة فنظام الحكم فيها عبر قرنين ونصف قرن تقريباً من الاستقلال جعلها أقوى دول العالم اقتصادياً وعسكرياً إلا أنه لا يصح للبنان (مجلس شيوخ لكل طائفة فيه، كبرت أو صغرت، عدد مساوٍ من الأعضاء).

لن أقترح ما يصلح لأنني لا أعرف، فربما لم يبق لنا سوى الصوم والصلاة ليرفق الله بنا، وتزول أسباب قلقي الشخصي، فهو وُلد معي وزاد أضعافاً بالتجربة، وأنا كمواطن أريد حكومة يقودها الفريق الفائز ولكن يمثل فيها الفريق الخاسر، ثم أريدها أن تعمل بحرية من الفيتو مهما اخترنا له اسماً، فهو إذا لم يعطل القرارات المهمة التي يحتاج إليها الشعب، سيحوِّل الحكومة الى بازار، وكل قرار يقترحه فريق ثمنه قرار للفريق الآخر، من الموازنة العامة والإنفاق الى تعيين معلم أو دركي في أقصى شمال البلاد أو جنوبها.

هل نفتح صفحة جديدة في لبنان أساسها الصدق؟ أستعير من خطاب باراك أوباما للمسلمين فقد كانت المشكلة دائماً أن ما يقال علناً ليس ما يقال في المجالس الخاصة، وأن كل فريق لبناني له امتداد خارجي حتى لا أقول ولاء، وإذا قام فريق لا يريد الارتهان للخارج يجد نفسه في النهاية مضطراً للرد على تحالفات خصومه الخارجية بعقد تحالف خارجي يسنده ويحميه.

بكلام أوضح، هل تحالف 14 آذار مع أميركا رد على تحالف حزب الله مع إيران، أو أن تحالف حزب الله مع إيران رد على تحالف 14 آذار مع أميركا؟ سنعرف الجواب عندما نعرف من جاء أولاً، البيضة أو الدجاجة.

وقصة ذات مغزى، ففي عشاء لأصدقاء في لندن بعد ظهور نتائج الانتخابات قالت سيدة تقيم بين لندن وبيروت: الحمد لله. راح إرجع و «اعفّش» الصالون، أي أنها ستشتري أثاث صالون شقتها الجديدة في بيروت التي أمسكت عن شرائه خوفاً من فوز المعارضة، وذكريات صيف 2006، وأيار 2007.

أرجو أن تبدد المعارضة أسباب قلق المواطن العادي من سياستها، وأن تبدّد الغالبية أسباب قلق المواطن الآخر من فوزها.