قراءة للموقف السوري – ساطع نور الدين – السفير

يقول احد الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين في بيروت انه «يخشى ان يستغرق اللبنانيون ثلاثين سنة كي يكتشفوا ان سوريا التي حكمتهم لثلاثين سنة قد اصبحت خارج حدودهم، ولم تعد ترغب او حتى تستطيع ان تفرض ارادتها في شؤونهم الداخلية، التي باتت من مسؤوليتهم وحدهم، ولم يعد بإمكانهم التذرع بالتدخل السوري، ولا استدراجه..»
قيل هذا الكلام الغربي المثير قبل ان يتوجه اللبنانيون الى مراكز الاقتراع الأحد الماضي، وقبل ان تحتفل غالبيتهم بتحقيق نصر حاسم على سوريا وحلفائها، لا سيما في المناطق المتاخمة للحدود السورية، او بالتحديد في ما يسمى بالأقضية الأربعة التي كانت جزءاً من الجغرافيا السورية ثم الحقت بلبنان من جانب الانتداب الفرنسي… وهو ما دفع بعض اللبنانيين الى المغامرة بالقول إن سوريا هزمت في عقر دارها!
الاستنتاج دقيق بأن إحدى اهم الخلاصات السياسية للانتخابات النيابية هي ان سوريا، التي لم تخف رغبتها الشديدة بفوز فريق الثامن من آذار، مارست هذه المرة حياداً جدياً لم يسبق له مثيل، ليس فقط منذ دخولها الى لبنان في حزيران عام 1976، بل ربما في تاريخ العلاقات بين الدولتين منذ الاستقلال وحتى اليوم، وكان تدخلها في المعركة الانتخابية لصالح حلفاء لهم مقرات اقامة دائمة في دمشق، أقل بما لا يقاس من تدخل آخرين، عرباً وأجانب، لمصلحة حلفائهم. ويعترف خصومها في مجالسهم الخاصة بهذه الحقيقة، ويقرون على سبيل المثال بأنه كان يمكن لرشق ناري او عبوة ناسفة صغيرة في احدى دوائر البقاع او الشمال الحاسمة ان تعطل العملية الانتخابية او ان تقلب النتائج رأساً على عقب.
وفي تفسير هذا التحول الجوهري في الموقف السوري، لا يمكن الزعم ان دمشق ارادت ان تكتفي بالحياد الإيجابي وعدم الانحياز لكي تختبر شعبية حلفائها القدامى الذين يفرض عليهم جزء كبير من الجمهور اللبناني الحصار او العزل، لأسباب لا تخفى على احد لا في دمشق ولا في بيروت، كما لا يمكن الافتراض انها كانت تشعر بالاكتفاء الذاتي من حلفها المقدس مع حزب الله والغالبية الشيعية التي لا يمكن ان تخذلها مهما تغيرت الظروف.
ثمة التزام سياسي اكيد تعهدت به دمشق أمام الأميركيين والفرنسيين والسعوديين والأتراك بأنها لن تتدخل في الانتخابات اللبنانية حتى ولو ادى ذلك الى خسارة حلفائها. وقد وفت به من دون شك، والى حد ان بعض الظرفاء اللبنانيين ادعى انها تمنت او ربما عملت على هزيمة حلفائها، لكي تثبت حسن نواياها تجاه واشنطن والرياض خاصة… ولكي تبرهن على ان هناك حداً للنفوذ الإيراني الذي يمكن ان تسمح به في مجالها اللبناني. وهو ما يعني حسب هذا المنطق انها بداية الافتراق بين دمشق وطهران؟
التحول السوري يستحق التوقف عنده مطولاً. لأنه يؤكد حقيقة لا يود كثيرون ان يعترفوا بها، وهي أن سوريا اصبحت بالفعل خارج لبنان، والأهم من ذلك انها لم تعد تعتبره مصدراً للقلق على نظامها وأمنها واستقرارها، حتى ولو حكمه خصومها الأشداء.