المهزوم الوحيد في الانتخابات بقانون الستين! – طلال سلمان – السفير

مبروك! انتهت الانتخابات بقانون الستين من دون ضحايا… سوى الشعب!
مبروك! نجح قانون الستين في اقامة جدران عازلة من البنادق بين الطوائف التي كانت قد استقلت كل منها برعاياها في مناطقها، فتمت الاستفتاءات الداخلية بهدوء… ولم تسجل غير اصابة واحدة: سقوط الوحدة الوطنية بالضربة القاضية!
مبروك! انتصرت الطوائف بنظامها في الفرز الذاتي على «الوطن» بشعبه الذي صار مجموعة من القبائل والعشائر يحكمها توازن الرعب وخوف الكل من الكل… وهكذا انتصرت كل طائفة بديموقراطيتها الذاتية… ومن يسأل عن الديموقراطية التقليدية البالية: لكل مواطن صوته؟
مبروك، وألف مبروك! لقد تحققت هذه الانجازات التاريخية جميعاً من دون ان يسقط قتيل واحد: نجح الرعب من الآخر في تأكيد الاستقلالية الطائفية ـ المناطقية حتى القطيعة المطلقة… أما التهاني ففي كل من واشنطن ولندن وباريس وموسكو وطهران والعواصم ذات الوهج التاريخي مذهباً أو مترباً في المنطقة العربية.
على ان «النظام» الذي كان مأزوماً سيظل مأزوماً، بغض النظر عن هوية الأكثرية التي أهلتها الانتخابات لتولي السلطة..
وبرغم المظهر الديموقراطي المشرق الذي بهر المراقبين الأجانب جميعاً، فان النتائج تثبت ان لا حل للصراع (الذي غدا الآن طوائفياً) بالديموقراطية.
فالطوائف تبدت اليوم وأكثر من أي يوم مضى وكأنها محميات لدول أجنبية… بل ان معظمها لم يعد يخجل من هذا التوصيف الذي بات شائعاً على المستوى الدولي، كحقيقة لبنانية ثابتة، يستخدمه الوزراء والدبلوماسيون والكتاب والمعلقون المعروفون بسعة اطلاعهم في الصحف الأجنبية ذات الأهمية، والتي كثيراً ما تعبر عن سياسات دولها، وليس عن خواطر كتابها وتحليلاتهم الخاصة.
من باب التوكيد على هذا الواقع، لا أكثر، نقتبس مقتطفات من بعض المقالات في صحف غربية كبرى حول انتخاباتنا:
^ «بنجاح الموالاة قدم لبنان لأوباما أول نجاح كبير لسياسته الاقليمية ـ جريدة الغارديان البريطانية».
^ «التحالف الذي تؤيده الولايات المتحدة الأميركية تمكن من السيطرة على البرلمان ـ جريدة نيويورك تايمز».
^ «الائتلاف المدعوم من الغرب فاز بالانتخابات ـ الواشنطن بوست».
أما أفضل التعليقات وأكثرها ثقة وظرفاً فيتجلى في ما كتبه الصحافي البريطاني العارف بأمور منطقتنا أكثر من معظم حكامنا، روبرت فيسك:
«هذه الانتخابات ستفرز لبناناً لا يختلف عما كان عليه: معاقاً لا يمكن شفاؤه، مفرحاً وفقيراً، معقداً وجميلاً، فاسداً وذكياً، ديموقراطياً… نعم ديموقراطياً بكل تأكيد ولكنه عصي على الاصلاح»..
«.. ان نظام الانتخابات هو مزيج مجنون من الطائفية والتمثيل النسبي ونظام اللوائح.. مما يعني ان لا أحد يفوز فيها فعلاً»!
لننسَ للحظة زيارات نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن، ومن قبله وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، فضلاً عن الزيارات المتكررة والتصريحات ـ التعليمات اليومية التي يصدرها السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان والحريص على حماية انجازاته خلال فترة انتدابه لإدارة الشأن اللبناني..
لنعد إلى قانون الستين باعتباره المدخل الشرعي الجديد للتدخل الأجنبي، عبر فرزه اللبنانيين إلى طوائف في لحظة بلغ فيها استخدام الدين الإسلامي بطوائفه ومذاهبه المختلفة ذروته القصوى..
لقد جرد هذا القانون الانتخابات النيابية من أي مضمون سياسي، وجعل «الشعب» قطعاناً طائفية لكل منها ملعبها الخاص ونوابها الذين ينتخبهم رعاياها حصراً، في ما عدا بعض المناطق المختلطة التي ترك فيها لأكثريات وافدة ومستحدثة ان تتحكم في أقلياتها المجمعة (زحلة، بعبدا، المغتربون على سبيل المثال)..
وبالتالي فان الانتخابات بهذا القانون الطوائفي ليست عملية ديموقراطية تتنافس فيها قوى حزبية ذات برامج سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية، لها جذورها في الأرض وعندها وعيها بظروف البلاد ومحيطها وقدراتها وامكانات شعبها وعلاقته بمحيطه.
انها انتخابات طوائفية في نظام طوائفي يعيش بالتسويات الطوائفية التي تموِّه صراع مصالح أجنبية أساساً (وان احتوت مصالح بعض الأنظمة العربية).
.. وهذا النظام الطوائفي يعيش بالتسويات الطوائفية وعليها، وكلما استهلك تسوية تدخلت الدول لإعادة انتاجها بشيء من التعديل بالحذف او بالإضافة..
والعالم كله يتعاطى مع طوائف لبنان وعبرها، وليس مع «دولة لبنان»، وان هو راعى الشكليات والبروتوكول بضوابطه الرسمية (غالباً لا دائماً)..
وعلى سبيل المثال لا الحصر فان الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه ـ الرسالة التي وجهها من القاهرة، وإلى المسلمين وليس إلى العرب، لم يشر إلى الدولة في لبنان، ولا إلى طوائفه مجتمعة، او حتى إلى المسيحيين بخاصة، ولكنه أشار تحديداً إلى طائفة مميزة فيه هي «الموارنة».
وفي هذا النظام الطوائفي وعبر قانون الستين الذي صُوِّر وكأنه تلبية لمطلب مسيحي، ماروني على وجه التحديد، توزعت الطائفتان الإسلاميتان الأكبر المسيحيين انتخابياً، مع استبقاء هامش محدود لتحديد المرجعية الأساسية (أو المرجعيات، ان وجدت) بين الموارنة على وجه الخصوص، إذا ما تعذر ان تكون رئاسة الدولة هي هذه المرجعية، خصوصاً انها آتية من المؤسسة العسكرية، او على البطريركية ان تكونها باعتبارها مرجعية دينية، وبغض النظر عن صوتها الوازن.. انتخابياً.
صار المسيحيون في موقع الصوت المرجح لاحدى الطائفتين الإسلاميتين الأكبر وبالتالي عنصر التوازن في السلطة، بل في النظام، بغض النظر عن اعدادهم، مع التنويه بأن الموارنة صاروا التسمية الحركية الحديثة لعموم المسيحيين.
لكن السلطة لها حروبها، وصراع الموارنة على السلطة يهدد دورهم كعنصر توازن ضروري بل وحاسم في ثبات النظام لا في عدالته او في عصريته.
وهكذا فان النظام هو في حقيقة الأمر، أرض صراع بين الطوائف ثم داخل الطوائف، وبالتالي أرض حروب وتسويات بين الدول، فكيف يمكنه ان يكون «ديموقراطياً»، وبالتالي: كيف يمكنه ان يبني دولة؟!
الطريف ان الشعب المنهك بالحروب الأهلية التي لا تخفي الصراعات الدولية بل هي تكشفها وتفضحها، بات مستعداً للتسليم بنظام أشوه حتى لا يظل في حرب مفتوحة إلى الأبد بين مكوناته التي تجعله كما أحسن وصفه «الزميل» روبرت فيسك!
وليس مهماً ان يعلن كثيرون من صناع قانون الستين ندمهم… فلقد كانوا يعرفون ما يفعلون!