الانتقائية في التوافق هي سياسة اللاتوافق – رفيق خوري – الأنوار

معركة ما بعد الانتخابات اصعب من معركة الانتخابات ومحكومة بما هو اكثر من نتائجها وأبعد. وليس هناك من يجهل ان المعركة لن تدور تحت سماء زرقاء، أقله بالمعنى السياسي. فلا أحد يعرف ايها سيسهل أو يعرقل تسوية الصراع على السلطة: الادوار والاحجام الداخلية التي لاصحابها أهداف أصلية ومصالح واقعية أم الادوار والاحجام الاقليمية والدولية المفتوحة عليها. ذلك ان الكل يسلم بحتمية المشاركة والتوافق من دون التخلي عن الخلاف على شكل المشاركة وجوهر التوافق. والكل يعرف ان الشعارات الكبيرة والخيارات الاساسية التي دارت عليها المعركة الانتخابية محكومة بما هو اكثر من تدوير الزوايا واقل من خلط الاوراق في معركة ما بعدها، الا اذا كان المطلوب تعطيل اللعبة. وابسط ما امامنا هو ثلاثة محاور مترابطة: اختيار رئاسة المجلس، تسمية رئيس الحكومة ثم الاتفاق على الحكومة وبيانها الوزاري، والموقف من دور رئاسة الجمهورية.

رئيس المجلس العتيد معروف سلفاً، ولا مجال لاختياره من خارج التحالف الشيعي بين حزب الله وحركة أمل. والمرشح لرئاسة الحكومة معروف نظرياً، ولا مجال لاختياره من خارج التمثيل السني الكاسح الممثل بتيار المستقبل، الا اذا كانت لدى التيار حسابات عملية مرحلية واختار أحد حلفائه. اما تأليف الحكومة، فأنه (ام المعارك)، حيث العنوان الأول والأهم هو: الثلث المعطل أو المشاركة بضمانات أخرى. قوى 14 آذار خاضت الانتخابات على اساس ان الثلث المعطل كان غلطة وتجربته كانت سلبية. وقوى 8 آذار متمسكة بالثلث المعطل ولديها شعور بالقدرة على فرضه ولو طالت الازمة الوزارية وبقيت حكومة السنيورة في تصريف الأعمال، والثلث المعطل مضمون منها.
ولو كان التوجه لدى الجميع هو تطبيق الدستور لما احتاج دور الرئاسة الى أخذ ورد، سواء كانت هناك فرصة لتعزيز صلاحيات الرئيس أو بقي الوضع على حاله. لكن الاحتكام الى الدستور ليس في الواقع السياسي من الثوابت في قواعد اللعبة، الا نظرياً. فكل طرف يريد جذب الرئيس الى معسكره، ويطالبه في الوقت نفسه بان يبقى توافقياً. وهم توافقوا على ترشيح العماد ميشال سليمان وانتخابه رئيساً بالاجماع، وظلوا مختلفين وغير متوافقين على الامور الكبيرة والصغيرة.
فضلاً عن ان التوافق يكون كلياً او لا يكون. فالرئيس التوافقي يجب ان يكتمل دوره برئيس مجلس توافقي ورئيس حكومة توافقي وتوافق على الخيارات الاساسية للبلد، وبالتالي على ان يكون لبنان جزءاً من التوافق العربي. اذ كيف يعمل الرئيس التوافقي اذا كان يراد اخذ البلد الى هذا المحور الخارجي أو ذاك? اليست السياسة الانتقائية في التوافق هي سياسة اللاتوافق?