من استراتيجية تعطيل الدولة إلى استراتيجية تعطيل السلاح – وسام سعادة – المستقبل

نالت قوى 14 آذار الأكثرية النيابية على الصعيد الوطنيّ، كما نالت الأكثريتين النيابية والشعبية على الصعد السنية والدرزية والمسيحية.
أما قوى 8 آذار التي نالت الأقليّة النيابية على الصعيد الوطنيّ، فاحتفظت لنفسها بالأكثرية النيابية والشعبية داخل الطائفة الشيعية حصراً، ويكاد يكون بالتزكية، وفي ظلّ سيطرة سلاح "حزب الله" على المناطق والجيوب ذات الكثافة الشيعيّة.
هكذا ينبغي أن تقدّم نتائج الاستحقاق. يتبيّن حينها أنّنا أمام انتصار تاريخيّ هو الثاني في حجمه لـ"ثورة الأرز" بعد يوم 14 آذار 2005 نفسه. الإنتصار الأوّل لـ"ثورة الأرز" أنهى مرحلة الوصاية، ومن شأن الانتصار الثانيّ أن يجدّد العهد لوحدة الكيان اللبنانيّ كمقدمة لتوطيد أركان الدولة ـ الأمة اللبنانية.
لقد كان أي شكل من أشكال الانتصار الإنتخابيّ لقوى 8 آذار قادراً على تهديد الوحدة الكيانيّة اللبنانيّة. وحده الانتصار التاريخيّ لـ14 آذار هو القادر على تجديد وحدة هذا الكيان. إنّما دون ذلك شروط.
أوّل هذه الشروط هو الاعتراف بأن الوضع لن يبقى على ما هو بعد 7 حزيران. والتبدّل المقصود يتخطّى آلية المشاركة الحكومية أو آلية التحاور حول المنظومة الدفاعيّة ليطال ما هو أهم: لقد أسقط يوم 7 حزيران المجيد آخر مشروع منهجيّ طرح في لبنان بقصد إحلال هيمنة مذهبية شاملة من جانب فئة بعينها على المجتمع والدولة والكيان. ما عاد من الممكن الاستمرار في طرح هذا المشروع بعد الآن. قد يحتاج رموزه الى بعض الوقت لوعي ذلك، وكلّما أسرعوا إلى هذا الوعي كانوا يسهّلون على انفسهم وعلى الآخرين، وإذا كان في "8 آذار" اليوم من يدعو إلى النقد الذاتيّ وإعادة التقييم وما شاكلَ من أمور، فلا قيمة لكلّ ذلك من دون الإقرار بأنّ مشروع إحلال الهيمنة الشاملة على البلد قد دخل لحظة فشله التاريخيّ الآن.
وهذا المشروع الذي سقط كان أخطر مشروع هيمنيّ من نوعه في تاريخ لبنان، نظراً لحلوله زمنياً في مرحلة ما بعد تشظّي أو تخلّع أو ضمور مشاريع الهيمنة الطائفية أو المذهبية السابقة عليه، وأيضاً بسبب من شحنته الأيديولوجيّة الدينيّة ودائرته التعبويّة التنظيميّة ومستودعاته العنفيّة وملاحمه العسكريّة، فضلاً عن المرويّات المؤسّسة لعصبيّته الأهليّة، ومنها مرويّة "استرجاع الموطن السليب في جبل لبنان".
منذ عام 2006 أقام مشروع الهيمنة هذا حجتّه على أساسين: تفاهم مار مخايل بين "حزب الله" و"التيّار الوطنيّ الحرّ" من ناحية، وأيّام الصمود في حرب تمّوز وما تبعها من ناحية ثانية.
كان الأساس الأوّل، أي تفاهم 6 شباط، مبنياً على إحلال "وحدة وطنيّة" تفتيتية للوحدتين الإسلاميّة والمسيحيّة. فبدل أن تجيء "الوحدة الوطنية" نتيجة لتحقق كل من الوحدة الوطنية الإسلاميّة والوحدة الوطنيّة المسيحيّة، قضى التفاهم بين "حزب الله" و"التيّار الوطنيّ الحرّ" بالإمعان في التقسيم المذهبي للمسلمين وتشجيع التقسيم السياسيّ للمسيحيين. وكلّ ذلك كان من أجل منح سلاح "حزب الله"، قبل أشهر من حرب تمّوز، غطاء مسيحيّاً ثميناً.
الآنّ رُفعَ هذا الغطاء، وصار "تفاهم 6 شباط" معقوداً من جانب واحد. صار بالتالي عديم الصلاحية.
أمّا الأساس الثانيّ فهو "حرب تمّوز" نفسها، و"نظرية المؤامرة على المقاومة" التي ازدهرت في أعقابها، وقد صرف "حزب الله" منذ 2006 وإلى اليوم الجزء الأكبر من الرصيد الذي منحته إياه "حرب تمّوز". الصرف، أو "البذخ" الأكبر تجلّى في 7 أيّار. دفع الحزب ثمناً باهظاً لنيل "الثلث المعطّل"، وهو ثمن عادة ما يدفع لنيل السلطة بكاملها. بعد 7 أيّار ما عاد هناك عملياً من إمكانية لاستيلاء "حزب الله" على السلطة إنقلابياً، وبعد 7 حزيران ما عاد هناك عملياً من إمكانية لوصول "حزب الله" إلى رأس السلطة دستوريّاً. يبدو أن "فائض القوة" حاصر نفسه بنفسه، وكان بدأ بذلك في "حرب تمّوز" نفسها، التي ألغت عملياً إمكانية "إعادة فتح" الجبهة مع إسرائيل وفرضت نمطاً ملتبساً من التعايش الثلاثي بين "الجيش" و"حزب الله" و"اليونيفيل المزيدة" جنوب الليطانيّ.
من هنا فإن الوضع الناشئ عن انتخابات 2009، يعني عملياً إسقاط آخر مشاريع الهيمنة الفئوية على البلد، وإسقاط التغطية الممنوحة خلافاً للمنطق والتاريخ والطبيعة لهذا المشروع من قبل الفئة المفترض فيها أن تكون في طليعة المتصدّين له.
بالتالي فإن "إستراتيجية تعطيل الدولة" كما عرفت في السنوات الأخيرة وصلت إلى طريق مسدود. أما "استراتيجية بناء الدولة" فلا يزال أمامها الكثير لتقوم به، والأهمّ هو كيف تحسن التعامل مع تداعيات انسداد الأفق أمام "استراتيجية تعطيل الدولة" كما طرحها "حزب الله".
الإطار العام المحدّد لشكل التعامل هو أنّ "عزل" حزب الله ما عاد مطلباً ملحّاً بعد الإنتصار الإنتخابيّ التاريخيّ المحقّق، مثلما أنّ المسارعة إلى الطلب بـ"دمج" سلاح هذا الحزب بالدولة اللبنانية لم يحن أوانها بعد. الأهم الآن هو الإنتقال من مواجهة "استراتيجية حزب الله في تعطيل الدولة" إلى التأسيس لـ"استراتيجية تعطيل السلاح" نفسه، بالتأسيس على التعطيل الذاتي للسلاح من قبل السلاح من تمّوز إلى أيّار إلى حزيران.
فالنتيجة العامة لـ"حرب تمّوز" أن السلاح عطّل نفسه بنفسه على صعيد المواجهة الإقليميّة، حتى بعد أن أصاب جيش العدو بخيبة مزلزلة. هذا التعطيل الذاتي من قبل السلاح لنفسه تجلّى في مندرجات القرار 1701.
والنتيجة العامة لـ"7 أيّار" أنّ السلاح ولما خاض معركة لحماية السلاح، كتب عليه أن يعطّل نفسه بنفسه في الداخل، وترجم ذلك بتعهد خطيّ تضمّنه إتفاق الدوحة، حيث تتعهد كافة الأطراف بعدم معاودة لعبة السلاح.
أما في 7 حزيران، فإن السلاح عطّل قدرته على الإتيان بأعمال السحر. حتى هذا التاريخ، كان ما زال هناك من هو مقتنع بأن السلاح المذكور هو سلاح مسحور، وصاحبه ساحر. اليوم جرى تفكيك سحر السلاح.
عنوان المرحلة هو التأسيس على هذه اللحظات الثلاث لإنبثاق "استراتيجية عامة لتعطيل السلاح" داخلياً وخارجياً، فلم يحن بعد الوقت للقفز على هذه اللحظات الثلاث بإتجاه طرح "استراتيجيّة تجميع السلاح" غير الواقعية الآن. ينبغي نقل هذا السلاح من كونه سلاح "عصبية" فيها سحرة ومسحورون، إلى سلاح "متحفيّ" غير معدّ للاستخدام "الوقائيّ" ولا للاستخدام "الهجوميّ"، إنّما محصور في "المنظومة الدفاعيّة" بالمعنى البحت.