الشعب اللبناني قال كلمته.. وكانت واضحة وبليغة – باسم الجسر – الشرق الاوسط

قال الشعب اللبناني كلمته. وكانت واضحة وبليغة. وانتصرت قوى 14 آذار المراهنة على الاستقلال والسيادة والاعتدال العربي والانفتاح الدولي وبناء الدولة القادرة، على قوى 8 آذار التي كانت رهاناتها مختلفة بل وخطرة. ولقد كان من الممكن تحقيق انتصار اكبر، لاسيما في الاوساط المسيحية على التيار الوطني الحر، وفي كسروان والمتن وبعبدا بالذات، لو لم تصب اصوات الناخبين الشيعة لمصلحة مرشحي الجنرال، الذي بات من الصعب عليه، بعد هذه الانتخابات، الادعاء بأنه «بطريرك المسيحيين السياسي في لبنان والمشرق».

قال الشعب اللبناني كلمته في جو من الرقي الديموقراطي والمنافسة الطبيعية بشهادة مئات المراقبين العرب والدوليين. وليت هذه الاجواء السياسية الراقية تدوم، بعد الانتخابات، ولا يرجع اللبنانيون الى اجواء التظاهرات والاغتيالات واحتلال الساحات، التي شوهت وجه لبنان الحضاري وشلت مؤسساته، بل وعرضته الى حرب اهلية دامت خمسة عشر عاما والى اكثر من عدوان اسرائيلي مدمر واحتلال مقيت.




لقد تعددت وتنوعت ردود الفعل الداخلية والاقليمية والدولية على نتائج هذه الانتخابات. فزعماء 14 آذار كانوا حكماء في دعوتهم الى تطبيع الانتصار ومد يد التعاون للجميع في المرحلة القادمة. ولكنه من الطبيعي بعد هذا الانتصار ان ترفض الاكثرية فرض الاقلية النيابية عليها بدعة الثلث المعطل. ولقد كان تعليق رئيس المجلس النيابي نبيه بري اقرب الى الاعتدال والانفتاح، وألين من تصريحات بعض قادة حزب الله الذين اصروا على تطبيق مبدأ المشاركة في الحكم، والثلث المعطل. فهل سيكون من السهل تأليف حكومة «وحدة وطنية» تحترم الاصول البرلمانية، اي لا ثلث معطل يقيدها؟ ام سيضطر اي رئيس حكومة الى القبول بشروط الاقلية، تطبيقا لمبدأ المشاركة والوفاق، ويصيب الحكومة القادمة ما اصاب «حكومة اتفاق الدوحة» من شلل؟

وماذا بشأن سلاح حزب الله؟ لقد صرح احد قادة حزب الله ان الحزب سيطلب من رئيس الحكومة القادم تضمين بيانه الوزاري نصا صريحا حول المحافظة على سلاح المقاومة. وهذا الامر جد حساس، اذ ان فوز فريق 14 آذار في الانتخابات انما كان بسبب موقفه المنادي بوضع سلاح المقاومة في عهدة الدولة والجيش، وفرض سلطة الدولة على كل اراضيها.

ان الامتحان الاول امام المجلس النيابي الجديد هو عند انتخاب رئيس المجلس. فالرئيس يجب ان يكون من الطائفة الشيعية، ولا خيار الا بين الرئيس نبيه بري واحد قيادي حزب الله. ومن الارجح ان يدعم حزب الله ترشيح بري. فهل سينتخبه نواب الاكثرية «بدون شروط». وما الذي يضمن لهم عدم تعطيل المجلس في المستقبل، كما حصل بين

عامي 2007 و2008؟

ان المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة هو سعد الدين الحريري الذي كان مهندس هذا الانتصار الانتخابي لقوى 14 آذار. وبالرغم من لهجته المتواضعة والسمحة، في اعلان الانتصار، ويده الممدودة، فإن تأليف الحكومة الجديدة لن يكون سهلا. ولا وضع البيان الوزاري لها. وهنا يبرز دور رئيس الجمهورية الوفاقي، الذي سيحرص على تأليف حكومة وفاقية، لكن بثمن معقول، أي بدون ثلث معطل، كما فهم من تصريحاته عشية الانتخابات، حين اكد على تطبيق المبادىء الديموقراطية البرلمانية. فهل سيسهل حزب الله، وخصوصا الجنرال عون، الخاسر الاكبر في هذه الانتخابات، دور رئيس الجمهورية؟

ان الاقلية النيابية، ولا سيما حزب الله، لا تستطيع التراجع عن الشعارات التي ترفعها منذ سنوات. ولكنه ليس بسر ان هذه الاقلية تتأثر بتوجيهات او نصائح سورية وايران، وان هاتين الدولتين الممانعتين او المتصديتين للدول العربية المعتدلة ولمشروع السلام الاميركي ـ الدولي، هما اليوم في مواقع تفاوضية مع الولايات المتحدة وربما اشارتا على حلفائهما او اتباعهما في لبنان، بتليين مواقفهم، وتسهيل انطلاق الحكم في لبنان نحو آفاق رائقة.

ان الامثولة الاولى التي اعطتها هذه الانتخابات النيابية، هي ان الشعب اللبناني لم ينبذ الديمقراطية ولكنه ما زال يتأثر سياسيا وانتخابيا بعوامل طائفية وعاطفية. اما الامثولة الثانية فهي في ان قانون الانتخاب يجب ان يتعدل باتجاه اكثر تمثيلا لكل شرائح المجتمع اللبناني ولا يبقى مكرسا للطائفية والمذهبية بل دافعا للحياة الوطنية والسياسية نحو آفاق جديدة وانطلاقا من معطيات وحقائق عصرية وليس من حزازات وردود فعل سلبية يعود بعضها الى القرن التاسع عشر وبعضها الآخر الى القرون الوسطى.

اما الامثولة الثالثة فقد تكون في ادراك اللبنانيين، هذه المرة اكثر من أي مرة اخرى، ان رهن مصيرهم بارادات ومصالح اقليمية ودولية متصارعة، انما هو مصدر المحن التي تعرض لها وطنهم، و ان لا حل لمشاكلهم سوى بالطريقة الديمقراطية والحوار.