زوّار الفجر – راجح الخوري – النهار

… وعند الخامسة كان الفجر يبزغ من مكانين. من صناديق الاقتراع التي أطلقت انتصار قوى 14 آذار، وقد خاضت معركتها على قاعدة الحرية والسيادة والاستقلال ومرجعية الدولة، وكذلك من خيوط "النهار" التي راحت تكتسح ليل السابع من حزيران الذي سيشكل محطة في تاريخ الديموقراطية البرلمانية في لبنان والمنطقة.
وعند الخامسة كان لا بد من أن يصير الفجر جسرا من الوفاء العميق، ومحطة لتجديد الوعد، ومناسبة لإيداع الأمانة، ومثولا لتأكيد العهد، وولاء لمعنى الشهادة، وتصميما على تنفيذ وصية الدم، ومتنفسا لهلع في القلب المجروح وتفجيرا لطوفان الشوق، ومتسعا لدمعة حرّى تفتح كوّة لالتقاط الأنفاس بعد كل هذا الكفاح المرير والصعب.
وعلى ما قرأنا وعرفنا كانوا ثلاثة. إنهم زوّار الفجر. أو كانوا المجوس الاتقياء تقودهم نجمة الصبح، الى رباط الوعد والعهد. فاذا كان لهم أن يتنفسوا الصعداء، بعد هذا العناء الطويل، فثمة أحضان تشتاق الى أنفاسهم، واذا كان لهم أن يتزودوا ذخيرة الايمان بلبنان الوطن الحر السيد المستقل، فثمة أضرحة من طيب وبخور وزهور تنتظرهم. واذا كان لهم تجديد العهد في خشوع الايمان، فثمة آذان في التراب، وثمة قلوب خافقة وراء الحجارة، وثمة من كان يجلس منتظرا الأحبة في ذلك الصباح الذي راح ينزل من القمة الى الروابي، فالى المدينة المنهكة، وهو يكرر ما قاله دائما على امتداد حياته: "ما بيصحّ إلا الصحيح".
كان زوّار الفجر ثلاثة، لا بل أربعة في الواقع.
❐ أولا: النائب سعد الحريري يرافقه زميلنا هاني حمود وقد نزلا الى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قلب ساحة الحرية، حيث قام زعيم "تيار المستقبل" باهداء انتصاره الانتخابي الباهر الى والده الذي كتب استقلال لبنان الثاني بدمائه، كما سبق له أن اهدى اليه نص قرار انشاء المحكمة الدولية على وعد الحقيقة ومن أجل
لبنان.
❐ ثانيا: نايلة تويني التي لم تفتتّ الوردة والدموع بحسرة على النعش هذه المرة، بل حملت باقة من الورد وفيضا من الدمع وطوفانا من المرارة وصعدت درب الجلجلة الى ضريح والدها الشهيد جبران تويني، لتهدي اليه الانتصار وتجدد العهد والوعد ولتوشوش في أذنه او يوشوش هو في أذنها ان سماء الاشرفية ذات الزرقة اللامتناهية ستبقى تتصل بزرقة البحر اللامتناهية، لتكون الحقيقة في لبنان زرقاء مثل ديك "النهار" الذي سيستمر في اعلان طلوع
كل فجر!
❐ ثالثا: سامي الجميل الذي غصّ بدموعه واحتقن بحرقة قلبه، وهو يقف معلنا نتائج انتخابات معركة المتن التي فاز فيها حيث قال انه يعرف ان شقيقه الشهيد بيار يقبع في انتظاره، وأن عليه ان يختصر في الكلام ليصعد اليه يعانقه ويضع عنده الانتصار اكليلا من الوعد والعهد والامانة.
كان زوار الفجر أربعة من المجوس حاملي الغار، ذهبوا الى حيث يتوهج الفجر في خيوطه الاولى دائما وأبدا. حسبوا أن الطريق الى الأضرحة ساكنة وهادئة، لكنهم بصعوبة قصوى تقدموا وسط حشود الادعية المزدحمة التي كانت تسبقهم الى الاضرحة، التي تطير اليها دائما مخيلات اللبنانيين، فكيف وقد كان فجر السابع من حزيران محطة وفاء لدمائهم وشهاداتهم؟

❐ ❐ ❐
سيمضي وقت طويل قبل أن يفرغ المرء من القراءة في النتائج الانتخابية والارقام والخلفيات والتجيير المذهبي ورافعات الاصوات وتعويم الغرقى هنا وهناك. ولكن من الضروري الآن الحديث عن سقوط الاوهام والأورام، وما قيل على امتداد أربعة أعوام عن "الاكثرية الواهمة" و"الاكثرية الشعبية"، وعن "سرقة المقاعد"… وما الى ذلك من الشعارات النحاسية تُقرع لجمع الانصار وتعطيل البلاد والعباد.
ليس في مناقشة هذا الامر من مماحكة او نكء للجروح الطرية والساخنة. لكن ما يتقدم الآن على هذه التفاصيل رغم أهميتها ومدلولاتها العميقة، هو الفرصة الرحبة التي وفرتها الانتخابات للانطلاق في فتح صفحة جديدة تنتشل لبنان من الازمة القاتلة التي يتخبط فيها منذ أربعة أعوام بسبب سياسات التعطيل والتوتير التي نفذتها المعارضة كما هو معروف.
نحن عمليا اليوم امام مجموعة من الوقائع الصريحة والواضحة التي تشجّع فعلا على الأمل بأن نتمكن من اعادة ترتيب اللحمة الوطنية في اطار متفاهم عليه، صلب وقوي، يساعدنا في ترسيخ وحدة عاقلة وواضحة ووطنية بين اللبنانيين، تدفــع البـــــلاد الى الأمــــــام، وتصون لبنان من الاستهدافات الاسرائيلية الخطرة، وكذلك من أي خطــط للتسويات الاقليمية قد تحاول أن تأتي على حسابنا.
وفي هذا الاطار تقضي الامانة والموضوعية بالتوقف امام أربعة مؤشرات مشجعة:
❐ أولا: اذا كان النائب سعد الحريري قد حرص على إنهاء حملة "تيار المستقبل" الانتخابية يوم الجمعة الماضي بخطاب عميق وشامل أجمع معظم اللبنانيين على انه يشكل خطاب رجل دولة من الطراز الاول، وهو ما ذكّر الكثيرين بوالده الشهيد رفيق الحريري، فان كلمته التي ارتجلها بعد الانتصار الانتخابي فجر الأحد، شكلت القاعدة الثانية لجسر الوفاق والتفاهم والحوار والوحدة الوطنية الذي يريد ان يمــــــده بين الاكثريــــــة والمعارضة وبين 14 آذار و8 آذار وذلك لمصلحة لبـــــــنان والمواطن اللبناني، الذي دأب على اعطائه أولية مطلقة في كل أطروحاته الانتخابية وقراراته  ومبادراته العملية.
وعندما يقول ان ليس في لبنان رابح وخاسر فالرابح الوحيد هو الديموقراطية والرابح الأكبر هو لبنان، فانه يدعو عمليا الى انخراط كل اللبنانيين في العمل الديموقراطي السلطوي من أجل الوطن.
أما عندما يوجه التحية حتى الى الذين صوتوا للوائح المنافسة، مؤكدا أن واجب الاكثرية أن تسمع أصوات هؤلاء أولا وقبل كل شيء، فانه يسارع الى فتح صفحة جديدة يفترض أن تنتشل لبنان من المماحكات والصراع والتعطيل، الى التفاهم والحوار والوحدة الوطنية الواعية والمسؤولة.
وكرجل دولة ايضا، سارع من موقع الانتصار الى تأكيد ضرورة مدّ الأيدي بين كل اللبنانيين، وأن نشمّر عن الاكمام ونشبك الهمم لنعود جميعا ومعا الى العمل بجد وجدية من أجل لبنان… فهل يجوز، او من الممكن على سبيل الافتراض السلبي، ان يواجه هذا الموقف غدا بالحديث عن "الاستئثار والهيمنة" الذي طالما سمعناه ظلامة فيها الكثير من المبالغة؟
❐ ثانيا: عندما يشدد النائب وليد جنبلاط على عدم الدخول في "العزل تحت نشوة الانتصار" داعيا الى الحوار وحده وسيلة للتقدم على طريق الدولة والى التأمل، فانه يلاقي سعد الحريري في الدعوة الى وحدة اللبنانيين، وهو الذي يعرف سلفا ان ليس هناك من يفكر في العزل لأنه
جنون!
❐ ثالثا: عندما يشيد الرئيس نبيه بري بمواقف النائب سعد الحريري مؤكدا ان لبنان انتصر على رهانات الفوضى والفتنة وربح وجوده، آملا في أن تؤدي الانتخابات الى مرحلة تأسيسية نتمكن فيها من صنع قانون عصري للانتخابات مؤكدا التزام "اتفاق الطائف"، فانه يكون كمن يمد اليد ويشمّر عن الساعد لفتح صفحة جديدة.
❐ رابعا: وعندما يقبل "حزب الله" بنتائج الانتخابات ويقر بانتصار الاكثرية، ويطالبها بضمانات عندما تحكم، فانه يعرف سلفا وضمنا ان ليس هناك من يريد معالجة مسألة سلاحه إلا في اطار الحوار الوطني.
على أساس كل هذا يصبح السؤال جائزا عما اذا كانت الانتخابات التي كرست فوز تحالف 14 آذار، ستفتح صفحة جديدة على قاعدة الوحدة الوطنية بينما تقف المنطقة ولبنان في مهب خطط وتطورات كبيرة، أم أننا سننتقل من أزمة الى أزمة، فيكون ما بعد 7 حزيران استمرارا لما قبله.