الحريري رئيساً للحكومة بثلث معطّل لرئيس الجمهورية في الحكومة المقبلة – نقولا ناصيف – الأخبار

الخلاصة الحتمية لاحتفاظ قوى 14 آذار بغالبيتها مزدوجة: ترشيحها النائب سعد الحريري لترؤس الحكومة الجديدة، ورفضها إعطاء المعارضة ـــــ التي ستلزم هذا الموقع أربع سنوات جديدة طويلة ـــــ الثلث الزائد واحداً فيها. لكن ما يتخطى هذه الخلاصة اقترانها بمعطيات، منها:

1 ـــــ أن الحريري، وليس قوى 14 آذار، كان الرابح الفعلي في انتخابات 7 حزيران، ولا سيما في الدوائر التي حسم مؤيدوه خياراتها السياسية كطرابلس وعكار وزحلة والبقاع الغربي ـــــ راشيا والدائرة الثالثة لبيروت والضنية ـــــ المنية وصيدا، فأوصلت إلى البرلمان الجديد 43 نائباً: 21 نائباً سنّياً من أصل 27، و22 آخرين بينهم 15 نائباً مسيحياً. يضاف إليهم نائبا بيروت الثانية، السنّي والأرمني، فيصبح الرقم 45 نائباً بينهم 22 نائباً سنّياً، بنسبة 35 في المئة من مجموع المجلس الجديد. لكن الحصة تصبح شبه كاملة بإضافة النائبين السنّيين في الشوف كي يمسك الرجل بالزعامة المطلقة لطائفته، تجعل من ترؤّسه الحكومة واقعاً أكيداً في توقيت مناسب. بذلك يكرّر تجربة والده الراحل الرئيس رفيق الحريري الذي قوّض قاعدة تاريخية فرضت نفسها على أسلافه البيروتيين والطرابلسيين والصيداويين، وهي تمييز زعامة رئاسة الحكومة عن زعامة الطائفة.




2 ـــــ عبّر الاقتراع السنّي والالتفاف حول الحريري عن مقدار غضب الطائفة على أحداث 7 أيار التي كانت بمثابة تهديد ثان لها بعد اغتيال الحريري الأب قبل أربعة أعوام. آل ذلك إلى حصول الحريري الابن على تفويض لم يُعطَ نظيره لوالده، وعلى دعم خياراته الناجمة بدوره عن شعور بمهانة كبيرة ترتبت على تلك الأحداث. وعلى غرار تظاهرة 14 آذار 2005 والتفافها حول الحريري وحلفائه في لحظة شعور الطائفة بأن سوريا استهدفتها باغتيال الحريري الأب، وهدّدت كيانها وكادت تحيلها طائفة ضعيفة تفتقر إلى المرجعية، كان التفويض والالتفاف نفسهما في 7 حزيران تحت وطأة تهديد مشابه للطائفة منذ 7 أيار، إذ رأت في حزب الله وسلاحه مصدر استباحة.

3 ـــــ استهانت المعارضة بالماكينة الانتخابية للحريري وقدراتها، كذلك بالمناورات التي أدارتها في المواجهة الانتخابية في الأسابيع المنصرمة، على نحو بدت في بعض مراحلها أحد الاسرار التي ستفضي إلى فوز تيار المستقبل وحلفائه بالمقاعد النيابية في الدوائر المحسومة، وأبرز تلك الأسرار الغموض الذي أحاط بالمغتربين وأعدادهم وأماكن وجودهم في الساعات التي سبقت الاقتراع، وتحوّلهم كتلة مجيّرة وفاعلة، لم يتسنّ للماكينات الانتخابية للمعارضة رصدها بدقة وتحديد تأثيرها، ففاجأوها في زحلة خصوصاً. وما انطبق على المغتربين المقترعين، صحّ أيضاً على حجم الكتلة السنّية الغامضة وطاقتها التجييرية المنظمة.
في واقع الحال لم يجعل الحريري الابن من التصويت السنّي معادلاً بفاعليته للتصويت الشيعي فحسب، بل مقرّراً للفوز والإمساك بالغالبية والسلطة، من غير أن يتواطأ بالضرورة مع الشريك الشيعي الذي خبر وإياه تجربة التحالف الرباعي عام 2005. بذلك تصوّر الحكومة المقبلة مغزى انتصار الغالبية الجديدة.

4 ـ ينظر الحريري إلى شريكين رئيسيين له في حكم المرحلة المقبلة هما حلفاؤه المسيحيون ورئيس الجمهورية. ولأنه جزم سابقاً برفضه إعطاء الثلث الزائد واحداً إلى المعارضة في الحكومة المقبلة، من غير أن يمانع في انضمامها إليها بشروط قوى 14 آذار. فهو بذلك يستدرجها إلى الرفض والبقاء خارج هذه الحكومة. لكن الوجه الآخر لهذا الاستدراج هو تحوّل رئيس الجمهورية شريكاً فعلياً في الحكومة بإعطائه هو الثلث الزائد واحداً، بعدما انهارت الكتلة الوسطية بمرشحيها الثمانية (في جبيل وكسروان وبعبدا) التي كان الرئيس والموالاة قد عوّلا عليها إبان الحملات الانتخابية.

5 ـــــ رغم احتفاظ قوى 14 آذار بغالبيتها، وتالياً توازن القوى بينها وبين المعارضة كان رافق علاقتهما المتدهورة بين عامي 2005 و2008، أكدت نتائج انتخابات 7 حزيران حقيقة إضافية، هي أن الشريك المسيحي في الموالاة لا يزال يمثّل ثقلاً كبيراً في توازن القوى داخل هذا الفريق، وفي مواجهة الرئيس ميشال عون وحلفائه المسيحيين. إذ ينضوي في صفوف قوى 14 آذار 37 نائباً مسيحياً يلاقون التحدّي نفسه الذي يقابل به عون، وهو أن معظمهم انتخب بأصوات ناخبي طوائف غير مسيحية، ما خلا دوائر بيروت الأولى والبترون وبشرّي والمتن باعتمادها على الناخبين الموارنة أو المسيحيين بمن فيهم الأرمن (11 نائباً). أما النواب الـ26 الباقون فأتى بهم ائتلاف الحريري والنائب وليد جنبلاط. على الضفة المقابلة ارتفعت حصة عون وحلفائه من 21 نائباً في برلمان 2005 إلى 25 نائباً في برلمان 2009، بينهم كتلة النائب سليمان فرنجية (ثلاثة نواب) ونائب بعلبك ـــــ الهرمل إميل رحمة. وما خلا كسروان والمتن الشمالي اللتين يسيطر ناخبوهما المسيحيون على نتائجها، فإن دوائر جبيل وجزين وبعبدا وبعلبك ـــــ الهرمل تدور في فلك الناخبين الشيعة أو في أحسن الأحوال ترجّح كفتها قوتهم التجييرية. وما يصحّ على مسيحيي 14 آذار ينطبق أيضاً على مسيحيي عون، وهو أن تمثيلهم دوائرهم لا ينفصل عن تحالفاتهم الانتخابية. وكلاهما استمد في الانتخابات الأخيرة قوته من التصويت السياسي أكثر منه التصويت الانتخابي. لكن مسيحيي 14 آذار سيمثّلون التعويض الذي يريد الحريري استثماره في حكومة الغالبية، بتجاهله الجنرال ودفعه إلى رفض المشاركة فيها.