معادلة رئاسيّة 14 + 9 + 7 تدخل فلك تأليف الحكومة – نقولا ناصيف – الأخبار

مع بدء أولى خطوات تأليف حكومة ما بعد الانتخابات، تكوّنت لدى جهات رسمية واسعة الاطّلاع المعطيات الآتية:

1 ـــــ الانتقال عملياً من تكليف رئيس الغالبية النائب سعد الحريري ترؤس الحكومة الجديدة إلى مباشرة جهود التأليف، حتى قبل أن يدعوه رئيس الجمهورية اليوم إلى قصر بعبدا ويبلغه رسمياً نتائج الاستشارات النيابية الملزمة. إلا أن الرئيس المكلف لا يزال يتريّث في كشف تصوّره للحكومة المقبلة، ولا يفصح لدى نواب تكتّله وبعض المحيطين به عن خطوات التأليف، مستعيداً بذلك إحدى السمات التي طبعت سلوك والده الرئيس رفيق الحريري الذي كان يردّد لمساعديه أنه يقدّر دائماً الصمت ويتقن لعبته، ويعرف ما لا يريد قوله، وما ينبغي أن لا يقوله.
والواضح أن الحريري الابن يتجنّب أي التزامات سرّية أو علنية مسبقة، ما خلا تأكيده ضرورة الحوار والتعاون وفتح صفحة جديدة في علاقة الموالاة بالمعارضة، ومواجهة التحديات المقبلة. أعاد تأكيد هذا التحفّظ في اجتماعه بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ليل الخميس. أطلعه نصر الله على حصيلة مشاوراته مع قيادات المعارضة، وإقرانها المشاركة في الحكومة الجديدة بحصولها على الثلث الزائد واحداً. تفادى الحريري اتخاذ موقف صريح سلباً أو إيجاباً، مكتفياً بإبداء الرغبة لنصر الله في إبقاء الحوار مشرّعاً والاستمرار في تبادل الرأي والانفتاح. كان نصر الله قد أبلغ الموقف نفسه إلى رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط عندما اجتمعا في 18 حزيران، وكان جواب الزعيم الدرزي مماثلاً في التحفّظ، الأمر الذي يفتح باب التكهّن في مسار جهود الحريري لتأليف الحكومة، وخصوصاً أنه يتجنّب التحدّث عن الثلث المعطل، ويحذّر من إبداء أي موقف مباشر من الحكومة الجديدة، قبل أن يكون قد أنهى الاستشارات التي سيجريها مع الكتل والنواب للاطّلاع منهم على تصوّرهم هم أيضاً لها، توصلاً إلى تيقّنه من احتمال تأليف حكومة وحدة وطنية تنضم إليها المعارضة أو حكومة الغالبية النيابية. ولا يقلل هذا التريّث من أهمية موقف مبدئي للحريري هو أنه يرفض ثلثاً معطّلاً في حكومة يترأّسها.
وهكذا ينتظر كل من الرئيس المكلف والمعارضة ما سيعرضه الآخر عليه.




2 ـــــ تسارعت وتيرة اتصالات غير معلنة يجريها دبلوماسيون عرب وأوروبيون وأميركيون، في إطار المساعدة على إنجاز الاستحقاق الحكومي بلا عقبات. وتحرص هذه الاتصالات، مع المعارضة في معظمها، على تأليف حكومة يتمثّل فيها الأفرقاء اللبنانيون من دون أن تنطوي على ثلث معطّل. ورغم أن القائمين بهذه الاتصالات لا يفصحون صراحة عن ممانعتهم الثلث الزائد واحداً، إلا أنهم يلمّحون لأركان المعارضة بضرورة الانضمام إلى الحكومة والتعاون والانفتاح، على نحو يوحي بأن الثقة المتبادلة كفيلة بتعويض مطلب الثلث المعطّل. ويمثّل تحرّك السفير السعودي، علي عواض العسيري، لدى أفرقاء المعارضة أحد مظاهر هذا المنحى، بتحاشيه الخوض في تفاصيل الوضع الداخلي واتخاذ موقف من الحكومة الجديدة، قاصراً أحاديثه مع محاوريه المعارضين على الحوار والتعاون والتطلّع إلى المستقبل، وتأكيده وقوف الرياض إلى جانب اللبنانيين ودعمها وحدتهم الوطنية. إلا أنه يشير ضمناً ـــــ وفق ما يلمسه محاوروه ـــــ إلى أن المملكة هي ضامنة وفاق اللبنانيين وتعاونهم في الحكم.

3 ـــــ لا يزال أقطاب المعارضة متمسّكين بالثلث المعطل، لكن من غير وضعه باستفزاز على طاولة التفاوض قبل الجلوس إليها مع الحريري، الأمر الذي برّر التباين في مواقفهم من هذا النصاب تحت سقف أن مشاركتهم في الحكومة الجديدة ملازمة للضمانات التي تطمئنهم إلى مواقعهم فيها وتأثيرهم في السلطة، ولا تحيلهم «شرّابة خرج» كما يوحي بعض الموالين، إذ يؤيّدون انضماماً غير مشروط للمعارضة في الحكومة الجديدة، وتبعاً للحصص التي تقدّمها لها قوى 14 آذار لكونها هي الفائزة في الانتخابات النيابية، وهي الجهة المانحة. وبعد إعلان النائب سليمان فرنجية تمسّكه بالثلث الزائد واحداً، والرئيس ميشال عون بالنسبية في تقاسم مقاعد الحكومة، وهي حصة تزيد على الثلث المعطّل، واستمهال حزب الله ما سيُعرض عليه للمشاركة في الحكومة، أتى موقف رئيس المجلس نبيه برّي البارحة ليثبّت السقف الذي رسمته المعارضة للمشاركة.
ومن غير أن يتخذ موقفاً واضحاً من الثلث المعطل، أقرن برّي الانضمام إلى الحكومة الجديدة بشرط «المشاركة الحقيقية». وهو بذلك بدّد ثلاثة التباسات وسمت مواقف المعارضة في الأيام الأخيرة، وأدخلتها في دائرة شائعات: أولاها الرهان على انضمام برّي من دون سائر شركائه في المعارضة إلى الحكومة بلا شروط مسبقة وبلا ثلث معطّل حكماً، في ضوء نتائج انتخابات رئاسة المجلس والكلام الودّي المتبادل بينه وبين الحريري. وثانيتها تأكيده الضمني أن المعارضة تشترك بأفرقائها جميعاً في الحكومة الجديدة أو يبقون جميعاً خارجها. وثالثتها أن المشاركة الحقيقية هي المعبّر الفعلي عن الضمانات المطلوبة، سواء بإعطاء المعارضة الثلث الزائد واحداً، أو بعدم إعطاء أي من الموالاة والمعارضة أي نصاب مرجّح في مجلس الوزراء، وتوزيع المقاعد تالياً بنسب متفاوتة تبعاً لنتائج الانتخابات النيابية.

4 ـــــ تداول معادلة جديدة في تأليف الحكومة تردّد أن الرئيس ميشال سليمان يؤيدها، تعطي الموالاة 14 وزيراً، والمعارضة 9 وزراء، والرئيس 7 وزراء، فيصبح مع تزايد حصته، أكثر فاعلية لإدارة توازن القوى وضمانة بين فريقين لا يحصل أي منهما على أي نصاب معطّل لمجلس الوزراء.