لا سلام في المنطقة من دون… “حماس” ! – سركيس نعوم – النهار

قبل ايام من الانتخابات الرئاسية الاميركية التي اجريت في 4 تشرين الثاني الماضي، سلّم المستشار الاقتصادي حالياً للرئيس باراك اوباما، بول فولكر، المرشح اوباما رسالة وقّعتها عشر شخصيات اميركية مهمة ومعروفة تتضمن عرضاً غير حزبي، أي يتجاوز الحزبين الرئيسيين في اميركا، ويحظى بموافقتهما في آن واحد، لسياسة أميركية تحقق السلام في الشرق الاوسط وتقترح عليه تنفيذها او الافادة منها في حال وصوله الى البيت الابيض. والى فولكر وقعت الرسالة – التوصية الشخصيات الآتية: زبيغينو بريجينسكي وبرنت سكو كروفت (مستشاران سابقان للرئيس الاميركي لشؤون الأمن القومي)، تشاك هيغل (سناتور سابق)، جيمس وولفنسون (رئيس سابق للبنك الدولي)، كارلا هيلز، لي هاميلتون (سناتور سابق)، توماس بيكرينغ (مندوب سابق في الامم المتحدة)، تيودور سورنسن، نانسي بايكر.
على ماذا ركزت الرسالة المشار اليها اعلاه؟
اعتبرت ان حل الدولتين للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي هو الأنسب، واعتبرت ايضاً أنه مر بمراحل صعبة واعترضته عقبات كثيرة وخضات. واعتبرت اخيراً انه حل الفرصة الاخيرة الذي بواسطته يمكن ايصال اسرائيل والفلسطينيين الى اتفاق او تسوية.
ورأى كثيرون من الذين اطلعوا على الرسالة انها تمثل، في حال اعتمادها، بداية ضرورية وجوهرية لاعادة التوازن الى العلاقات الاميركية – الاسرائيلية التي ارساها جورج بوش الابن (او ربما طوّرها) والتي يمكن اختصارها بالجملة الآتية: لا تنفذ اسرائيل سياسة خاطئة او لا تعتمد سياسة خاطئة.
واقترحت توصيات اربع او نقاطاً اربع على اوباما "المرشح" الذي كان انتخابه مرجحاً، هي الآتية:
-1 موافقة اميركية واضحة على حل الدولتين، (واحدة فلسطينية واخرى اسرائيلية)، القائمتين على حدود الرابع من حزيران 1967 مع تبادل اراضٍ متفق عليه ولكن على نطاق ضيق جدا حيث تقتضي الضرورة ذلك، وهذا يعني نقل كل المستوطنات اليهودية القائمة في الضفة الغربية الى داخل اسرائيل باستثناء تلك الموجودة منها في المناطق الآهلة بالسكان والمتاخمة للقدس. ويعني ايضا وقف البناء الجاري وغير المقبول لمستوطنات جديدة.
-2 تثبيت القدس مكانا او وطناً (HOME) للعاصمتين الاسرائيلية والفلسطينية تكون الأحياء اليهودية فيها وفي محيطها تحت السيادة الاسرائيلية، والأحياء العربية فيها وفي محيطها تحت السيادة الفلسطينية. ويتفق على ترتيبات خاصة للمدينة القديمة تتيح وصولاً غير قابل للاعاقة الى الاماكن المقدسة لكل المجموعات الدينية.
-3 دفع تعويضات كبيرة ومساعدات اعادة "توطين" للاجئين الفلسطينيين على اراضي الدولة الفلسطينية، ويرافق ذلك نوع من اعتراف بالمسؤولية عن مشكلة اللاجئين تقدمه اسرائيل ولكن من دون ان يعني ذلك قبولا عاما بحق العودة.
-4 تكوين قوة متعددة الجنسية بقيادة اميركية، وبتفويض من الامم المتحدة، تكون مهمتها دعم الدولة الفلسطينية او مساعدتها على ضبط الأمن داخلها. والعدد المقترح لهذه القوة لا يقل عن خمسة عشر الف جندي.
ولكن قبل التوجهات المفصلة اعلاه دعت الرسالة اميركا الى الانخراط في وساطة بين اسرائيل والفلسطينيين تركز في الدرجة الاولى على الدولتين. ودعت ايضاً الى مقاربة اميركية واقعية وعملية لموضوع "حماس". وفي هذا المجال قال العشرة الكبار موقعو الرسالة ان محاولة اسرائيل ضرب هذه الحركة الفلسطينية وانهاءها او عزلها ادت الى تقويتها واضعاف حركة "فتح".
وقالوا ايضاً ان على اميركا ان تنتقل من هدف اخراج "حماس" من الساحة الى تعديل تصرفها، وان تقدم اليها مغريات معينة تساعد المعتدلين داخلها على الفوز او بالاحرى على التأثير، وان تمتنع عن ثني كل فريق عن الحوار مع "حماس".
وقالوا ثالثاً ان انخراط اوروبا في حوار مع "حماس" (جارٍ حالياً او سيجري قريباً) ليس بديلاً من حوار اميركا معها رغم اهمية الحوار الاول.
وقالوا رابعاً ان من دون انخراط "حماس" لن يكون هناك سلام في الشرق الاوسط، وخصوصاً بعدما صار زعيم "فتح" ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محاصرا.
وقالوا خامساً: توقفوا عن احباط المصالحة الوطنية الفلسطينية او عن عدم تشجيعها، واوضحوا ان حكومة تُوافق على وقف نار مع اسرائيل وتقبل محمود عباس رئيسا للجانب الفلسطيني المفاوض وتلتزم احترام نتائج استفتاء وطني على اتفاق سلام فعلي مع اسرائيل، لن تُعاقب ولن تُقاطع.
وقالوا سادساً: توقفوا عن اشتراط اعتراف "حماس" باسرائيل اولاً وراقبوا ما تفعله وليس ما تقوله. فاذا كانت جزءاً من حكومة توصلت الى سلام مع اسرائيل وبقيت جزءا منها بعد ذلك، يكون كل شيء قابلاً للحل.
إلام يستند كلام العشرة الكبار على "حماس"؟
انه اقتناع. لكنه لم يأت من فراغ. اذ ان اتصالات عدة اجرتها مع "حماس" شخصيات تعمل مع هؤلاء ولا تقل عنهم قيمة وأهمية في المجتمع الاميركي، وبعضها يهودي منه الدكتور هنري سيغمان، الذي ضمه اجتماع في دمشق وزعيم "حماس" خالد مشعل الذي قال له ان الحركة، رغم انها لن تعترف باسرائيل، ستبقى في حكومة وحدة وطنية فلسطينية توصلت الى سلام مع اسرائيل وعرضته على استفتاء شعبي واجتازه بنجاح. وهذا الكلام يقال ان مشعل كتبه ولم يظل شفهياً. وهذا يعني اعترافاً واقعياً باسرائيل وليس قانونيا. والاعتراف الواقعي يصلح لأن يكون اساسا لعلاقة بنّاءة بين الطرفين تماما على غرار العلاقة التي كانت قائمة بين اسرائيل وايران الشاه قبل خلعه عام 1979. وقد حصلت في اسرائيل امور مماثلة لذلك اذ ان الحكومات التي توصلت الى تسويات سلمية او التي اقدمت على خطوات سلمية كانت تضم في صفوفها احزاباً متشددة لا تقر بحق الفلسطينيين في دولة.
طبعاً، يرى سيغمان ان نجاح المعتدلين داخل "حماس" يحتاج الى مقابل اميركي، وما لم يُقدم فان حكومة وحدة وطنية فلسطينية لن تقوم.
ماذا فعل اوباما بالرسالة – العرض؟
ابلغ الى العشرة واضعيها وموقّعيها عبر "مستشاره" فولكر انه سيقابلهم في الوقت المناسب، اي بعد استقرار الوضع الحكومي في اسرائيل. وأوحى اليهم احتمال ان يضمّن أفكارهم او بعضها الالتزام الاميركي الواقعي حيال فلسطين الذي يضعه والثمن الجديد لالتزام اميركا حيال اسرائيل.
في النهاية لا يمكن انكار ان كل المفصّل اعلاه جميل وربما صريح. لكن سؤالا يطرح نفسه هو: ماذا لو لم تتجاوب اسرائيل مع اوباما وطروحاته القريبة من توجهات العشرة الكبار، وخصوصا في ظل حكومة اليمين الجديدة بزعامة بنيامين نتنياهو؟

سركيس نعوم – النهار